في خطوة جديدة تكشف حجم تغوّل النفوذ الإماراتي داخل الاقتصاد المصري، وافق جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية المصري على صفقة استحواذ كاملة بنسبة 100% من أسهم شركة أرامكس مصر للشحن لصالح شركة “كيو لوجيستيكس”، التابعة مباشرة لأحد الصناديق السيادية في أبو ظبي، الأمر الذي يثير تساؤلات خطيرة حول مستقبل السيادة الاقتصادية للدولة المصرية تحت حكم عبد الفتاح السيسي.

الصفقة: استثمار أم امتداد نفوذ؟
وفقًا لما أعلنته شركة كيو لوجيستيكس، التابعة لمجموعة “القابضة” (ADQ) السيادية في أبو ظبي، فقد حصلت على الموافقة الرسمية من جهاز حماية المنافسة المصري لإتمام صفقة الاستحواذ على شركة أرامكس مصر، أحد أبرز اللاعبين في سوق خدمات الشحن والخدمات اللوجستية في البلاد. الصفقة التي تمت بنسبة 100% تعني أن السيطرة الكاملة على الشركة أصبحت في يد جهة إماراتية تابعة مباشرة لحكومة أبو ظبي.
ويُشار إلى أن شركة أرامكس العالمية مملوكة في الأساس لصناديق إماراتية، لكنها كانت تعمل في مصر من خلال شراكات محلية وهيكل إداري مصري جزئي. أما الآن، فإن ملكيتها الكاملة أصبحت تحت سلطة واحدة مقرّها أبو ظبي.
اللافت أن جهاز حماية المنافسة، المفترض أن يكون درعًا للسيادة الاقتصادية المصرية، لم يرَ في هذه الصفقة أي مخاطر على السوق المحلي، بل وافق عليها دون تحفظات تذكر، مبررًا ذلك بعدم وجود إخلال بمبادئ التنافسية.
أرض مصر للبيع: النفوذ الإماراتي يتوسع بلا رقيب
ما جرى في صفقة أرامكس مصر ليس حدثًا منفصلًا، بل يندرج ضمن مسار واسع من سياسات التنازل المنهجي التي يتبعها نظام السيسي تجاه أصول الدولة المصرية لصالح الإمارات، سواء عبر بيع الأراضي أو الموانئ أو الشركات الاستراتيجية.
فقد سبقت هذه الصفقة موجة استحواذات إماراتية هائلة شملت شراء حصص في شركات الأسمدة والطاقة والموانئ والبنوك، فضلًا عن سيطرة الإمارات على ميناء سفاجا، وميناء العين السخنة، وأراضي ضخمة في العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العلمين. كما باتت العاصمة الإدارية نفسها ساحةً مفتوحةً للاستثمارات الإماراتية الخالصة في البنية التحتية والخدمات والتمويل.
ولم تكتف أبو ظبي بالأصول الاقتصادية، بل امتد نفوذها إلى الإعلام والتعليم والرعاية الصحية، حتى أصبحت مؤسسات إماراتية تشرف على مناهج تعليمية في بعض المدارس المصرية الخاصة، وتمتلك شبكات إعلامية تُوجّه الخطاب العام بما يتماشى مع السياسات الإقليمية لأبو ظبي.
الخطير في هذا التمدد أنه يجري تحت مظلة “استثمار أجنبي مباشر”، وهي العبارة التي يُروج لها النظام لتبرير التنازلات، بينما في الحقيقة يمثل الأمر احتلالًا ناعمًا تتحكم فيه دولة صغيرة بدولة كبيرة بحجم مصر، لا عبر الدبابات، بل عبر صناديق الاستثمار ونفوذ الريع المالي.
الاحتلال الاقتصادي.. الوجه الجديد للاستعمار
في العقود الماضية، كان الاحتلال العسكري المباشر هو الصورة الأكثر وضوحًا للسيطرة على الدول. أما اليوم، فقد أصبحت صناديق الاستثمار السيادية، مثل ADQ و”مبادلة”، أدوات استعمارية جديدة تُستخدم للسيطرة على الاقتصادات الضعيفة تحت غطاء قانوني ورسمي من الحكومات العميلة.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن اعتبار ما تقوم به الإمارات في مصر شكلًا من أشكال الاحتلال؟ الجواب الأقرب للواقع: نعم، لكنه احتلال ناعم، لا يُشهر سلاحًا ولا يرفع راية، بل يستخدم أدوات السوق و”التعاون الاقتصادي” و”المساعدة المالية” ليحوّل السيادة إلى مجرد ورقة تُوقّع في مكاتب صندوق النقد أو مقار جهاز حماية المنافسة.
ولعلّ الأكثر مأساوية هو أن هذه الهيمنة تتم بموافقة السلطات المصرية، بل وبتمرير تشريعات وتعديلات قانونية تجعل من بيع الشركات والأراضي أمرًا ميسّرًا وسريعًا، بلا مساءلة أو نقاش مجتمعي.
خاتمة مفتوحة: إلى أين تتجه مصر؟
إن صفقة أرامكس ليست إلا فصلًا صغيرًا في كتاب طويل من التنازلات التي جعلت من مصر سوقًا مفتوحًا بلا حماية حقيقية. فمع استمرار سياسة الخصخصة العشوائية، وتجاهل الرأي العام، وتغليب المصالح الخليجية على الوطنية، يبدو أن المصريين على موعد مع فقدان ما تبقى من ملكيتهم لمواردهم وثرواتهم.
وما لم يتم التوقف عن هذا المسار الخطير، فإن الخطر لن يقتصر على الاقتصاد، بل سيمتد إلى الأمن القومي والاستقلال السياسي. فالسيطرة على قطاع النقل والشحن تعني التحكم في حركة البضائع، والسيطرة على الأراضي تعني التحكم في القرار السياسي، والسيطرة على الإعلام تعني إعادة تشكيل وعي الشعوب.
ببساطة، ما نشهده ليس مجرد استثمار.. إنه احتلال بصفة استثمار.
اقرأ أيضًا : 60 نائبًا بريطانيًا يتهمون “إسرائيل” بالتطهير العرقي ويطالبون لندن بالاعتراف الفوري بفلسطين