أثار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير جدلاً جديداً بعد اتهام دبلوماسي بريطاني بارز له بنقل مطلب إلى السلطة الفلسطينية يقضي بإزالة اسم «فلسطين» من المناهج الدراسية الفلسطينية، في إطار اتصالات مرتبطة بـ«مجلس السلام» المعني بترتيبات ما بعد الحرب في غزة، بينما نفى مكتب بلير الرواية بصورة قاطعة ووصفها بأنها «مختلقة بالكامل».

وجاء الادعاء على لسان السير جيريمي غرينستوك، السفير البريطاني السابق لدى الأمم المتحدة بين عامي 1998 و2003، الذي قال إنه تلقى معلومات من مصدر على مستوى وزاري تفيد بأن بلير طُلب منه، بالنيابة عن «مجلس السلام»، التوجه إلى رام الله ومطالبة السلطة الفلسطينية بإجراء تعديل جوهري في المناهج الدراسية.

وبحسب غرينستوك، شمل المطلب إزالة أي ذكر لاسم «فلسطين» من المناهج، باعتبار ذلك أحد الشروط التي يريد «مجلس السلام» رؤيتها قبل التعامل مع السلطة الفلسطينية باعتبارها طرفاً قادراً على التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل بشأن الصراع الذي تفجر بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وقال الدبلوماسي البريطاني السابق إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس لم يكن ليقبل بمثل هذا الطلب، معتبراً أن مجرد طرحه يثير تساؤلات بشأن المبادئ التي تحكم عمل «مجلس السلام» وفهمه لقضايا العدالة والتاريخ الفلسطيني ومستقبل التسوية السياسية.

وتكتسب التصريحات حساسية خاصة لأن توني بلير يؤدي دوراً متقدماً داخل «مجلس السلام» الخاص بغزة؛ إذ سبق أن أعلن البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2026 أن بلير سيكون ضمن الأعضاء المؤسسين للمجلس إلى جانب مسؤولين أميركيين بارزين، فيما شارك خلال الأشهر الأخيرة في اجتماعات ومفاوضات تتعلق بمستقبل القطاع ونزع سلاح حركة حماس وترتيبات الحكم والإعمار.

كما شارك بلير في أغسطس/آب الماضي في اجتماعات مرتبطة بخريطة الطريق الخاصة بغزة، إلى جانب جاريد كوشنر والمدير العام لـ«مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، ما يجعل الاتهام الموجه إليه مرتبطاً مباشرة بدوره الحالي في هندسة الترتيبات السياسية والأمنية المطروحة للمرحلة المقبلة.

لكن مكتب بلير سارع إلى نفي الرواية بشكل كامل. وقال متحدث باسمه إن الادعاء بأنه طلب من السلطة الفلسطينية إزالة اسم «فلسطين» من المناهج أو استبداله بمصطلح آخر «غير صحيح ومختلق بالكامل»، مؤكداً أن بلير لم يقدم مثل هذا الطلب ولم ينقل أو يؤيد أي مقترح من هذا النوع.

وأضاف المتحدث أن مكتب بلير كان قد أبلغ الجهة الناشرة بعدم صحة الادعاء قبل نشره، وشدد على أهمية التحقق من المعلومات، خصوصاً في ظل حساسية المرحلة الحالية والمفاوضات المرتبطة بمستقبل غزة والتسوية الفلسطينية الإسرائيلية.

وتتطلب الرواية لذلك قدراً واضحاً من الفصل بين ما هو مثبت وما هو منسوب؛ فالمؤكد أن غرينستوك أدلى بالتصريحات علناً ونسبها إلى معلومات قال إنه تلقاها من مصدر وزاري، لكن لا توجد حتى الآن وثيقة منشورة أو إعلان رسمي من «مجلس السلام» يثبت أن إزالة اسم فلسطين من المناهج كانت بالفعل مطلباً رسمياً، كما ينفي بلير نفسه الأمر نفياً قاطعاً.

ومع ذلك، أعادت الواقعة الجدل بشأن طبيعة الإصلاحات التي قد تطالب بها الجهات الدولية السلطة الفلسطينية في إطار ترتيبات ما بعد الحرب، خصوصاً أن ملفات المناهج والتعليم والخطاب السياسي الفلسطيني ظلت لسنوات موضع ضغوط إسرائيلية وغربية.

كما تأتي القضية في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن الدور الذي يؤديه بلير في الملف الفلسطيني، بعد انتقاله من موقع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق والمبعوث السابق للجنة الرباعية الدولية إلى موقع مؤثر في الترتيبات السياسية الجديدة المتعلقة بغزة.

وتحمل الاتهامات، إن ثبتت، دلالة تتجاوز مسألة تعديل كتاب مدرسي؛ إذ إن إزالة اسم «فلسطين» من المناهج تمس مباشرة الهوية الوطنية والرواية التاريخية الفلسطينية، وتحول ملف التعليم إلى جزء من الشروط السياسية المفروضة على السلطة في أي تسوية مستقبلية.

لكن في ظل النفي الصريح من جانب بلير وغياب دليل مستقل منشور حتى الآن، تبقى القضية ادعاءً خطيراً ومتنازعاً عليه: مصدره سفير بريطاني سابق يقول إنه حصل عليه من مستوى وزاري، في مقابل نفي كامل من مكتب بلير. وهذا التناقض هو جوهر الخبر، وأي صياغة تتعامل مع الطلب باعتباره حقيقة محسومة ستكون أوسع مما تسمح به الأدلة المتاحة حالياً.