تتجه أنظار العالم نحو بروكسل بعد فتح المفوضية الأوروبية تحقيقًا معمقًا في استحواذ شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) على عملاق الكيميائيات الألماني “كوفيسترو”، وسط مخاوف جدية من أن الدعم المالي المقدم من النظام الإماراتي قد يُحدث خللاً جوهريًا في السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي. هذه القضية لا تتعلق بصفقة تجارية عادية، بل تكشف عن مخطط نفوذ اقتصادي ناعم يُمارسه النظام الإماراتي لاختراق القطاعات الاستراتيجية الأوروبية، وتحويل المال السياسي إلى أداة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل القارة.

مخاوف أوروبية من تشويه المنافسة

بيان المفوضية الأوروبية كان واضحًا: الإعانات الخارجية المقدمة من النظام الإماراتي لشركة أدنوك قد تخلق بيئة تنافسية غير عادلة. المتحدث باسم المفوضية صرح قائلاً: “لسنا بصدد صفقة تجارية بحتة، نحن نواجه تدخلاً اقتصادياً تقوده دولة تسعى للتأثير على بنية السوق الأوروبية من الداخل”، في إشارة مباشرة إلى النفوذ المالي والسياسي الذي تحركه أبوظبي.

أدنوك تتجاوز النفط إلى الصناعات الحساسة

لم تعد أدنوك مجرد شركة نفطية. توسعت الشركة خلال السنوات الأخيرة إلى مجالات الكيميائيات والطاقة المتجددة والتكنولوجيا، وأصبحت ذراعًا اقتصادية متقدمة للنظام الإماراتي. استحواذها على “كوفيسترو”، إحدى أكبر شركات تصنيع البوليمرات المتقدمة، يثير قلقًا استراتيجيًا في العواصم الأوروبية، لما لهذه التقنيات من استخدامات أساسية في صناعات السيارات والطائرات والقطاع الدفاعي.

البروفيسور الألماني هانز مولر وصف الصفقة قائلاً: “هذا ليس استثمارًا تقليديًا، بل محاولة منظمة لامتلاك مفاتيح صناعية أوروبية حساسة بتمويل حكومي ضخم، ما يهدد أمننا الاقتصادي”.

الإعانات كأداة سياسية

المفوضية الأوروبية ربطت الصفقة بما يُعرف بـ”قانون الإعانات الأجنبية”، الذي أقره الاتحاد مؤخرًا لكبح التمويل الحكومي الأجنبي الذي يُستخدم لتشويه السوق. ويؤكد خبراء أن الدعم المقدم من النظام الإماراتي لأدنوك، والذي مكّنها من تقديم عرض ضخم يفوق قدرات شركات القطاع الخاص، يمثل نموذجًا صريحًا لـ”الإعانات السياسية المقنعة”.

المفوضة الأوروبية لشؤون المنافسة، مارجريت فيستاجر، شددت: “لن نسمح بتحويل السوق الأوروبية إلى ساحة تُفرض فيها قواعد النفوذ المالي على حساب المنافسة الحرة”.

أوروبا أمام “غزو ناعم”

القلق الأوروبي يتجاوز صفقة “كوفيسترو”. تقارير عدة وثّقت توسع الاستثمارات الإماراتية في موانئ أوروبية، وأندية رياضية، ومشاريع طاقة حيوية، ما دفع صحف مثل “فاينانشال تايمز” و”لوموند” للتحذير من “غزو اقتصادي ناعم” قد يتحول إلى نفوذ سياسي.

الصحفي الفرنسي جان بيير لوران قال: “الإمارات تستخدم المال لإعادة هندسة موقعها كلاعب عالمي. أوروبا اليوم تجد نفسها أمام نفوذ يختبئ وراء الاستثمارات، لكنه يستهدف البنية الاستراتيجية للسوق والمجتمع”.

كوفيسترو: الهدف يتجاوز المال

تكنولوجيا كوفيسترو تمثل حجر الزاوية في صناعات حيوية مثل المركبات الكهربائية والطائرات المتطورة. السيطرة على هذه الشركة تمنح النظام الإماراتي موقعًا متقدماً في سلاسل التوريد الأوروبية، وتفتح الباب أمام تأثير سياسي خفي، خاصة في ظل علاقة أبوظبي المتنامية مع واشنطن وتل أبيب، ما يزيد القلق بشأن إعادة توجيه هذه القدرات الصناعية لخدمة أجندات خارجية.

البعد الجيوسياسي للصفقة

هذا التحقيق يعكس إدراك أوروبا أن الاستثمارات الإماراتية ليست بريئة. فهي جزء من شبكة تحالفات أوسع، تشمل التعاون الاستخباراتي والعسكري مع قوى خارجية. ومع تزايد أزمات الشرق الأوسط، تُوظف هذه الصفقات الاقتصادية في سياق تنافس عالمي بين الغرب والصين وروسيا، حيث يسعى النظام الإماراتي لترسيخ دوره كوسيط محوري عبر المال والنفوذ.

صفقة كوفيسترو: بين حماية السيادة الأوروبية وابتزاز النفوذ المالي

هذه القضية ليست مجرد مراجعة قانونية. إنها معركة مفتوحة بين الاتحاد الأوروبي وسيناريو “تأميم السوق بالمال الأجنبي”. بينما تحاول بروكسل فرض قيود على النفوذ المالي القادم من خارج التكتل، يواجه الاتحاد اختبارًا حقيقيًا لقدرة مؤسساته على حماية سوقه الموحدة من الاختراقات التي تُدار بأموال ضخمة وبدوافع سياسية واضحة.

صفقة أدنوك-كوفيسترو قد تحدد مستقبل قواعد اللعبة الاقتصادية في أوروبا. فإما أن تنجح أوروبا في حماية سيادتها الاقتصادية، أو تجد نفسها في مواجهة واقع جديد، حيث تتحول أموال النفوذ إلى أداة لإعادة رسم خريطة القوى داخل القارة العجوز.