في تطور خطير يعكس حجم الانتهاكات التي تشهدها دارفور في ظل النزاع المستمر، اتهمت اللجنة العليا لنازحي مخيم زمزم في شمال دارفور قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، على رأسها اختطاف 23 فتاة من المخيم، وسط تقارير تفيد بوفاة خمس منهن تحت التعذيب في سجن دقريس بمدينة نيالا، عاصمة جنوب دارفور.

ووسط هذا التصعيد، تتجه الأنظار إلى الدور الإماراتي في تغذية هذا الصراع من خلال الدعم العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع، ما يضع أبو ظبي أمام مسؤولية مباشرة عن الانتهاكات الجسيمة التي تحدث على الأرض.

جريمة مزدوجة: الاختطاف والتعذيب حتى الموت

في 13 أبريل/نيسان الماضي، شنت قوات الدعم السريع هجوماً واسعاً على مخيم زمزم، الواقع جنوب مدينة الفاشر، ضمن سياق تصعيد ميداني ضد المدينة المحاصرة منذ أشهر. 

ووفق إفادة المتحدث باسم نازحي المخيم، محمد خميس دودة، نُقلت الفتيات المختطفات إلى مدينة نيالا، حيث احتُجزن في سجن دقريس سيء السمعة، وتوفيت خمس منهن نتيجة التعذيب وسوء المعاملة.

ووصف دودة هذه الحادثة بأنها “انتهاك جسيم لحقوق الإنسان لا يمكن السكوت عنه”، وطالب بتدخل عاجل من المجتمع الدولي لإنقاذ المحتجزات المتبقيات، اللاتي لا تزال أوضاعهن مجهولة حتى الآن وسط تكتم شديد من سلطات الدعم السريع.

وتعززت هذه الاتهامات بشهادة الناشط السوداني محمد آدم، الذي وصف الواقعة بـ”الجريمة الإنسانية المروعة”، مضيفاً أن الفتيات توفين نتيجة الجوع والتعذيب داخل السجن، وداعياً المنظمات الدولية إلى الضغط من أجل محاسبة المسؤولين.

قصف ممنهج وأوضاع إنسانية كارثية

بالتزامن مع جريمة الاختطاف، تتواصل الهجمات التي تشنها قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر ومحيطها، مما يزيد من حجم الكارثة الإنسانية. فقد أفادت مصادر ميدانية بمقتل مدنيين اثنين وإصابة ثلاثة آخرين في قصف بطائرة مسيّرة على حي أولاد الريف.

وأكد العقيد أحمد حسين مصطفى، المتحدث باسم القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، أن قوات الدعم السريع تستخدم المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة بشكل مستمر، مشدداً على أن “المدنيين هم الضحية الأولى لهذا القصف العشوائي”، في حين تواصل القوات الحليفة للجيش السوداني محاولاتها لفك الحصار المفروض على المدينة.

وأدى استمرار الحصار إلى انهيار الحياة الاقتصادية بشكل شبه كامل في الفاشر، حيث أغلقت الأسواق، وتوقفت عربات الحمير التي كانت تنقل البضائع ليلاً إلى القرى المجاورة بعد استهدافها من قبل ميليشيات الدعم السريع. وصرح التاجر صالح هارون بأن الأسعار تضاعفت، والمواد الأساسية باتت شبه معدومة، مما يهدد بمجاعة شاملة.

وفي بيان تحذيري عبر فيسبوك، أكدت تنسيقية لجان المقاومة بالفاشر أن آلاف الأسر مهددة بالموت جوعاً، وأن نقص الغذاء والدواء والماء يزداد سوءاً، في ظل استمرار القصف ومنع السكان من التحرك بحثاً عن المساعدات.

الإمارات.. الراعي الخفي للجرائم

في الوقت الذي يُتهم فيه الدعم السريع بارتكاب هذه الجرائم، تتزايد الأدلة على تورط الإمارات في دعم هذه الميليشيات بالأسلحة والمال والمرتزقة، ضمن استراتيجية مشبوهة لإعادة هندسة المشهد السوداني وفق مصالحها، حتى وإن كان الثمن مئات الأرواح البريئة.

فمنذ اندلاع النزاع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، اتُّهمت أبو ظبي مراراً بتقديم دعم عسكري واسع للدعم السريع، يشمل طائرات مسيّرة، ومدرعات، وتدريباً لمرتزقة في قواعدها. ووفق تقارير استخباراتية وشهادات ميدانية، يتم نقل هذه الأسلحة عبر طرق تهريب تمر من ليبيا وتشاد، وتُستخدم لاحقاً في مهاجمة المدن والمخيمات السودانية، كما حدث في الفاشر ومخيم زمزم.

ويرى محللون أن الهدف الإماراتي يتجاوز مجرد الدعم السياسي أو العسكري، ليصل إلى هندسة تفكيك السودان لصالح أجندات إقليمية، في مقدمتها السيطرة على طرق التجارة والذهب، وتأمين مصالح أبو ظبي الجيوسياسية، حتى لو كان ذلك على حساب ملايين السودانيين.

وفي هذا السياق، اعتبر الباحث في الشؤون الإفريقية عبد الرحمن إسماعيل أن ما تقوم به الإمارات “يتجاوز التدخل إلى الشراكة في الجريمة”، مؤكداً أن صمت المجتمع الدولي عن هذا الدور يُعزز الإفلات من العقاب، ويشجع على ارتكاب المزيد من الجرائم.

دعوات للمحاسبة ومخاوف من التدويل

وسط هذا المشهد المظلم، تتعالى الأصوات المحلية والدولية للمطالبة بفتح تحقيق دولي في الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت في الفاشر ومخيم زمزم، ومحاسبة المسؤولين عنها، بما في ذلك من يقفون خلف الدعم العسكري والسياسي لهذه الجرائم.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الصمت الدولي سيفتح الباب أمام مزيد من التصعيد، ويؤسس لموجة جديدة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، خصوصاً مع تزايد المؤشرات على رغبة قوات الدعم السريع في فرض واقع جديد في دارفور، مدعومة بمظلة إقليمية توفر لها الحماية.

ختاماً، تبدو جريمة اختطاف وقتل الفتيات في الفاشر ليست سوى واحدة من سلسلة طويلة من الانتهاكات التي يرتكبها الدعم السريع بدعم من قوى خارجية، وعلى رأسها الإمارات، ما يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لإنقاذ المدنيين، وردع الجهات التي تسعى لتفكيك السودان بالقوة. فالصمت في وجه هذه الجرائم لن يكون حياداً، بل شراكة في الجريمة.

اقرأ أيضًا : السودان يحترق بمخلفات الحرب: دعم إماراتي لمليشيا دمرت البلاد وخلفت الألغام والموت