في خطوة تحمل في طياتها أبعادًا سياسية واقتصادية عميقة، أعلن النظام الإماراتي عن التزامه بضخ استثمارات ضخمة تصل إلى 1.4 تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي على مدى العقد القادم.  يأتي هذا الإعلان في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط توترات متصاعدة، خاصة مع استئناف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، مما يثير تساؤلات حول دوافع هذه الاستثمارات وعلاقتها بالتطورات الإقليمية الراهنة.

تتكشف خلف هذه الأرقام لعبة سياسية، هدفها واضح: السيطرة على المنطقة العربية عبر الدم والمال، وخدمة المشروع الإسرائيلي على حساب القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. لم يعد خافيًا أن نظام الإمارات يلعب دورًا مركزيًا في تأجيج الحروب وتوسيع رقعة القمع، متسترًا وراء شعارات “الاستثمار والانفتاح” بينما هو في الواقع يموّل الدماء ويشتري النفوذ.

زيارة طحنون بن زايد إلى واشنطن: تعزيز التحالفات وتوجيه الاستثمارات

قبل الإعلان عن هذه الاستثمارات الضخمة، قام الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني الإماراتي ونائب حاكم إمارة أبوظبي، بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة.  التقى خلالها بمستشار الأمن القومي الأمريكي، مايكل والتز، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.  تناولت اللقاءات تعزيز الشراكة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، الذكاء الاصطناعي، الطاقة، والبنية التحتية، بالإضافة إلى التعاون الاستثماري المشترك.

هذه الزيارة، التي تزامنت مع تصاعد التوترات في غزة، تثير تساؤلات حول توقيتها وأهدافها الحقيقية. هل يسعى النظام الإماراتي من خلال هذه الاستثمارات إلى تعزيز نفوذه في الولايات المتحدة، أم أنها تأتي كجزء من استراتيجية أوسع لتعزيز التحالفات مع القوى الكبرى، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة؟

العلاقات الإماراتية–الإسرائيلية: تطبيع يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن

منذ توقيع اتفاقيات “أبراهام”، تحولت العلاقات بين الإمارات وإسرائيل إلى تحالف استراتيجي قائم على المصالح الأمنية والاقتصادية، لا على فكرة “السلام” المزعوم. النظام الإماراتي لا يرى في إسرائيل خصمًا تاريخيًا، بل شريكًا في مواجهة الشعوب الحرة، سواء في غزة أو لبنان أو حتى إيران. تصريحات لمسؤولين إسرائيليين كشفت بوضوح أن أبوظبي كانت وراء مبادرات لاستهداف البنية التحتية للمقاومة، بما في ذلك تكنولوجيا المراقبة والدرونات، وهو ما يتقاطع مع رغبة مشتركة في القضاء على أي مشروع تحرري في المنطقة.

ليس سرًا أن الإمارات ترى في استمرار الحرب فرصة ذهبية لضرب مشروع المقاومة المرتبط بإيران، وتمزيق الجبهة الداخلية الفلسطينية. فالضعف الفلسطيني والانقسام السياسي يُمثّلان بيئة مثالية لنظام أبوظبي ليبسط نفوذه عبر المال والمخابرات. مصادر فلسطينية كشفت أن رجال أعمال محسوبين على الإمارات حاولوا مؤخرًا شراء عقارات في القدس القديمة بتمويل من جهات إماراتية، في خطوة اعتُبرت “طعنة في الظهر”، وتواطؤًا مع الاحتلال لتغيير ديموغرافية المدينة.

استثمارات مشبوهة في ظل صمت مريب

في الوقت الذي يعاني فيه الشعب الفلسطيني من العدوان المستمر، يعلن النظام الإماراتي عن استثمارات ضخمة في الولايات المتحدة، دون أن يبدي أي موقف واضح تجاه ما يحدث في غزة. هذا التناقض يثير تساؤلات حول مصداقية النظام في دعمه للقضية الفلسطينية، وحول دوافعه الحقيقية وراء هذه الاستثمارات الضخمة. هل هي بالفعل لتعزيز الاقتصاد الوطني، أم أنها تأتي في إطار تحالفات مشبوهة تهدف إلى تعزيز النفوذ الإقليمي على حساب حقوق الشعوب ومعاناتها؟

استثمارات الإمارات في أمريكا ليست معزولة عن مشروعها السياسي؛ فهي تسعى من خلالها إلى ضمان دعم أمريكي مطلق في أي مواجهة محتملة مع إيران، ولقطع الطريق أمام أي محاولة أمريكية للضغط على النظام بسبب سياساته في اليمن وليبيا وفلسطين. هذا المال لا يُستخدم للتنمية داخل الإمارات، بل يُصدّر كأداة نفوذ سياسي لحماية بن زايد ومنظومته الأمنية من المحاسبة، ولشراء صمت العواصم الكبرى عن سجله الدموي.

خرق الهدنة.. بأوامر غير فلسطينية

عادت الحرب على غزة رغم التفاهمات التي كانت تلوح في الأفق، لا بسبب موقف فلسطيني أو رد فعل داخلي، بل بسبب تحركات خارجية تُرسم في أبوظبي وتل أبيب. تشير معلومات استخباراتية، نشرها مركز المونيتور، إلى أن الإمارات كانت من أبرز الجهات التي دفعت نحو إعادة التصعيد، عبر تعهدات مالية سرية لإسرائيل بـ”تسهيل العمليات” وتوفير غطاء سياسي إقليمي في حال اندلاع موجة جديدة من القتال.

من تل أبيب إلى واشنطن.. نظام أبوظبي يُعيد رسم المنطقة بالنار والدولار

ليس من قبيل الصدفة أن تتزامن استثمارات بمليارات الدولارات في أمريكا مع زيارات سرية لإسرائيل، وتصعيد دموي في غزة. هذا التنسيق يعكس بوضوح أن النظام الإماراتي قرر أن يلعب دور “عرّاب الحرب” في الشرق الأوسط: يُغذي الصراعات بالمال، ويشتري النفوذ في واشنطن، ويحارب طموحات الشعوب باسم “الاستقرار”. لكن الحقيقة التي لم تعد خافية أن نظام محمد بن زايد، مثل محمد بن سلمان، لا يمثل إلا مصالحه، ولو على حساب شعبه والمنطقة بأسرها.