تعيش الساحة السياسية التونسية على وقع جدل واسع بعد قرار السلطات القضائية تمديد توقيف عدد من نشطاء “أسطول الصمود” لمدة خمسة أيام قابلة للتمديد، في خطوة اعتبرها ناشطون ومنظمات حقوقية مؤشراً جديداً على تشديد القبضة الأمنية ضد الحراك التضامني مع القضية الفلسطينية. وجاء القرار عقب توقيف عدد من الشخصيات البارزة في الهيئة المنظمة للأسطول، من بينهم وائل نوار، وجواهر شنة، والدكتور محمد أمين بالنور، ونبيل الشنوفي، وسناء مسهلي، في وقت تحدث فيه محامو الدفاع عن فتح تحقيق قضائي يتعلق بشبهات تدفقات مالية “مشبوهة”.
ويأتي هذا التطور بعد تحرك احتجاجي نفذه نشطاء الأسطول في العاصمة تونس، احتجاجاً على منع أنشطتهم التضامنية مع قطاع غزة، وهو ما دفع السلطات إلى التدخل واعتقال عدد من المشاركين. وتؤكد هيئة الدفاع أن التحقيقات التي باشرتها النيابة العامة الخاصة بالجرائم المالية تركز على مصادر التمويل ومدى شرعيتها، وسط اتهامات تتعلق بشبهات التحيل وغسيل الأموال، وهي الاتهامات التي يرفضها النشطاء ويعتبرونها محاولة لتجريم العمل التضامني مع فلسطين.
![]()
تضييق سياسي متزايد في عهد قيس سعيّد
الاعتقالات الأخيرة أعادت إلى الواجهة النقاش حول طبيعة التحولات السياسية في تونس منذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في تموز/يوليو 2021، والتي شملت حل البرلمان وتعليق العمل بالدستور السابق قبل صياغة دستور جديد يمنح الرئاسة صلاحيات واسعة. ويرى منتقدون أن تلك الإجراءات أدت إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي بطريقة عززت نفوذ السلطة التنفيذية على حساب الحريات السياسية والمدنية.
وفي هذا السياق، يعتبر معارضون أن توقيف نشطاء أسطول الصمود يندرج ضمن نمط أوسع من التضييق على الحركات المدنية والسياسية، خاصة تلك التي تنظم فعاليات شعبية أو احتجاجية خارج الإطار الذي تحدده السلطة. وقد شهدت تونس خلال الأشهر الأخيرة عدة اعتقالات طالت صحفيين وناشطين سياسيين بتهم مختلفة، بينها نشر معلومات مضللة أو تهديد الأمن العام، وهو ما دفع منظمات حقوقية إلى التحذير من تراجع منسوب الحريات في البلاد.
“أسطول الصمود” بين العمل التضامني والاتهامات القضائية
يُعد مشروع “أسطول الصمود” امتداداً لمحاولات دولية لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، حيث أعلن منظموه في وقت سابق عن خطة لإطلاق أسطول بحري يضم عشرات السفن بمشاركة نشطاء من أكثر من 150 دولة. ويقول القائمون على المبادرة إن هدفها إنساني بالدرجة الأولى، ويتمثل في إيصال المساعدات إلى غزة وتسليط الضوء على معاناة سكان القطاع.
لكن السلطات التونسية تنظر إلى القضية من زاوية مختلفة، إذ تؤكد مصادر قضائية أن التحقيق الجاري لا يتعلق بالعمل التضامني بحد ذاته، بل بشبهات مالية تتعلق بإدارة الأموال والتبرعات التي حصلت عليها الهيئة التسييرية للأسطول. وتشدد هذه المصادر على أن القضاء يتحرك وفق إجراءات قانونية للتحقق من سلامة مصادر التمويل وطريقة إنفاقها.
في المقابل، ترفض هيئة أسطول الصمود هذه الاتهامات وتعتبرها “هرسلة أمنية وقضائية”، مؤكدة أن النشطاء المستهدفين دفعوا ثمن مواقفهم السياسية الداعمة لفلسطين. وتقول الهيئة إن التضييق وصل إلى حد منع استخدام الموانئ التونسية لتنظيم الفعاليات المرتبطة بالمبادرة، إضافة إلى تفريق أنشطة احتجاجية بالقوة.
موجة تضامن إقليمية وانتقادات للسلطة التونسية
الاعتقالات لم تمر دون ردود فعل خارج تونس، إذ أعربت جهات شعبية عربية، بينها التنسيقية الجزائرية لنصرة فلسطين، عن تضامنها مع النشطاء الموقوفين، معتبرة أن مشروع كسر الحصار عن غزة “أكبر من أن توقفه الاعتقالات أو الضغوط السياسية”. وأكدت هذه الجهات أن المبادرة تمثل رمزاً للتضامن الشعبي مع القضية الفلسطينية، وأن محاولات التضييق عليها لن تنهي الفكرة التي انطلقت من “ضمير الأمة”.
كما خرجت مسيرات في تونس نفسها للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، حيث رفع المتظاهرون صور أعضاء الأسطول ورددوا شعارات تؤكد استمرار التضامن مع غزة. وأكد مشاركون في هذه المسيرات أن الاعتقالات لن تمنع استمرار الحراك الشعبي، بل قد تدفع إلى تنظيم فعاليات جديدة للمطالبة بالإفراج عن النشطاء.
صراع بين خطاب المقاومة وحسابات الدولة
تكشف قضية أسطول الصمود عن التوتر المتزايد بين الحركات الشعبية المناصرة لفلسطين وبين حسابات الدولة التونسية في إدارة علاقاتها الخارجية والأمنية. فمن جهة، يشكل التضامن مع القضية الفلسطينية جزءاً من الوعي الشعبي التونسي منذ عقود، ومن جهة أخرى تحاول السلطات الحفاظ على توازنات سياسية ودبلوماسية في سياق إقليمي شديد الحساسية.
ويرى مراقبون أن السلطة في تونس تسعى إلى ضبط النشاط السياسي خارج المؤسسات الرسمية، خصوصاً إذا كان مرتبطاً بملفات إقليمية قد تؤدي إلى توترات دبلوماسية. في المقابل، يعتبر ناشطون أن التضييق على المبادرات الشعبية يمثل مساساً بتاريخ تونس في دعم القضية الفلسطينية.
مستقبل الحراك التضامني في تونس
مع استمرار التحقيقات القضائية وتمديد توقيف النشطاء، يبقى مستقبل مبادرة أسطول الصمود في تونس غامضاً. فبينما تؤكد السلطات أن المسألة قانونية بحتة، يرى أنصار المبادرة أنها قضية سياسية تعكس تحولاً في تعامل الدولة مع الحراك الشعبي.
وفي ظل هذا الجدل، تبدو تونس أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرتها على الموازنة بين مقتضيات الأمن والقانون من جهة، والحفاظ على مساحة الحريات المدنية التي شكلت أحد أبرز مكاسب الثورة التونسية من جهة أخرى. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بأسطول بحري متجه إلى غزة، بل أصبحت تعبيراً عن الصراع الأوسع حول طبيعة النظام السياسي وحدود حرية التعبير والعمل المدني في البلاد.
اقرأ أيضا : وثائق إبستين تعيد فتح ملف الجرائم الجنسية المظلمة لدونالد ترامب