شهدت العاصمة الأردنية عمّان الأربعاء تطورًا جديدًا في ملف القمع الممارس ضد الأصوات المناصرة لفلسطين، بعد أن أعلنت منظمة حقوقية محلية أن السلطات الأمنية اعتقلت المخرج التلفزيوني والمنتج السينمائي أحمد عدنان الرمحي بسبب نشاطاته المتواصلة في الوقفات الاحتجاجية المنددة بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
هذا الاعتقال يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول الموقف الحقيقي للنظام الأردني من القضية الفلسطينية، ومدى انسجامه مع مشاعر غالبية الشعب الأردني الذي لا يزال يرى في فلسطين قضيته المركزية.
تفاصيل الاعتقال والمداهمة الأمنية
بحسب منظمة “أحرار لحقوق الإنسان”، فإن قوات الأمن أقدمت على اعتقال الرمحي من منطقة الجاردنز وسط عمّان، ثم اقتادته إلى منزله حيث أجرت عملية تفتيش واسعة وصادرت أجهزة إلكترونية تخصه، قبل أن يتم نقله إلى جهة مجهولة.
هذه الطريقة في التعامل مع شخصية ثقافية بارزة ليست سوى انعكاس لنهج أمني متشدد اعتاد النظام الأردني على استخدامه في مواجهة الناشطين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
الرمحي لم يكن مجرد مخرج تلفزيوني، بل أيضًا أمين سر الهيئة الإدارية المنحلة لجمعية مناهضة الصهيونية والعنصرية، وناطقها الإعلامي، ما يفسر استهدافه المباشر باعتباره صوتًا معارضًا للتطبيع وسياسات الصمت الرسمية. بل إن السلطات كانت قد اعتقلته سابقًا أثناء مشاركته في مسيرة تضامنية مع غزة، في مؤشر على ملاحقة متكررة له ولسائر الناشطين الذين يكسرون جدار الصمت.
اتساع دائرة الاعتقالات ضد المتضامنين
ليست حادثة الرمحي معزولة، إذ سبق للسلطات الأردنية خلال الشهور الماضية أن شنت حملة اعتقالات طالت مجموعة من الناشطين المشاركين في الوقفات التضامنية أمام السفارة الإسرائيلية في منطقة الرابية، وكذلك أمام السفارة الأمريكية في عبدون. جميع هؤلاء لم يرتكبوا سوى “جريمة” التعبير عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني ضد حرب الإبادة والتجويع في غزة، ما يكشف عن معادلة مقلوبة تحكم سلوك الدولة الأردنية: التضامن مع الضحية ممنوع، بينما الصمت أمام الجلاد مطلوب.
الأمر لم يتوقف عند الاعتقالات فقط، بل امتد إلى التضييق الأمني على التجمعات، ومنع إقامة فعاليات جماهيرية، وفرض قيود على الإعلام المحلي كي لا ينقل سوى الرواية الرسمية. هذه السياسة تتناقض بوضوح مع صورة النظام التي يحاول تسويقها خارجياً كراعٍ للقدس وحامٍ للمقدسات.
خيانة الملك للقضية الفلسطينية
الموقف الرسمي الأردني يكشف عن خيانة مزدوجة: فمن جهة، يظهر الملك عبد الله الثاني بمظهر المدافع عن الفلسطينيين في المحافل الدولية، لكنه في الداخل يمارس أبشع صور القمع ضد أبناء شعبه الرافضين للتطبيع. ومن جهة ثانية، يستمر النظام في التمسك باتفاقية وادي عربة التي كرّست الوجود الإسرائيلي وأضفت عليه غطاءً عربياً.
هذه الخيانة تتجلى بوضوح في التناقض الصارخ بين الشارع الأردني المشتعل بالغضب والرافض لجرائم الاحتلال، وبين قصور الحكم التي تفضل الحسابات السياسية الضيقة على المبادئ. بينما يموت أطفال غزة جوعًا تحت الحصار، يختار النظام الأردني اعتقال من يرفع صوته من أجلهم، في مشهد لا يليق بدولة تدّعي أنها على تماس مباشر مع القضية الفلسطينية.
بين الشارع والنظام: فجوة متسعة
إن اعتقال الرمحي ليس سوى رمز للفجوة العميقة بين الأغلبية الشعبية الأردنية التي ترفض الاحتلال والتطبيع، وبين النظام السياسي الذي يحاول ضبط الشارع بقوة الأجهزة الأمنية. هذا التناقض يهدد استقرار الأردن نفسه، إذ لا يمكن لنظام أن يستمر في قمع مشاعر شعبه إلى ما لا نهاية.
الاحتجاجات التي اندلعت مرارًا قرب السفارتين الأمريكية والإسرائيلية لم تكن عابرة، بل هي انعكاس لغضب متراكم من سياسة “السكوت عن الاحتلال”، ورفض صريح لتحويل الأردن إلى مجرد حارس للحدود أو وسيط صامت في وقت تُسفك فيه دماء الفلسطينيين يوميًا.
رسالة الرمحي ورمزية اعتقاله
الرمحي بصفته مخرجًا سينمائيًا ومنتجًا إعلاميًا، يمثل شريحة المثقفين الأردنيين الذين حاولوا توظيف الفن والثقافة في خدمة قضايا الأمة، وعلى رأسها فلسطين. اعتقاله يعني أن النظام بات يضيق حتى بالفن والإبداع حين يتحولان إلى أدوات مقاومة وتوعية.
كما أن هذه الخطوة تكشف هاجس النظام من الأصوات التي قد تُحرّك الشارع أو تكسر حاجز الخوف، إذ يخشى أن تتحول الوقفات الصغيرة إلى حركة جماهيرية واسعة تعيد للأذهان هتافات “إسقاط وادي عربة” و”فلسطين من النهر إلى البحر”.
الخاتمة: الأردن بين خيارين
اعتقال الرمحي يضع الأردن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في قمع الناشطين وفضح التناقض بين خطاب الملك وأفعال الدولة، وإما الانحياز إلى ضمير الشعب الأردني الذي يصر على أن فلسطين ليست قضية خارجية، بل هي قضية وطنية ووجودية.
وفي الوقت الذي تتساقط فيه الأقنعة عن الأنظمة العربية المتواطئة مع الاحتلال، فإن ممارسات النظام الأردني تؤكد أن القصر الملكي يسير في الاتجاه نفسه، ضاربًا عرض الحائط بتاريخ الشعب الأردني الذي قدّم آلاف الشهداء من أجل فلسطين.
اقرأ أيضًا : بسبب فلسطين.. نتنياهو يهاجم فرنسا.. والإليزيه يرد: تصريح دنيء