شهدت العاصمة البريطانية لندن، الثلاثاء، حدثاً غير مسبوق هز أوساط الجاليات المصرية في أوروبا، بعد إعلان الشرطة البريطانية اعتقال المواطن المصري أحمد عبدالقادر الشهير بـ”ميدو”، رئيس اتحاد الشباب المصري في أوروبا، والمقرّب من دوائر النظام المصري، على خلفية اعتدائه على معارضين مصريين بالخارج، في مقدمتهم الناشط أنس حبيب.

الحادثة أثارت جدلاً واسعاً، ليس فقط لخطورتها الجنائية، بل لأنها تعكس طبيعة “البلطجة المنظمة” التي بات يتبعها نظام عبد الفتاح السيسي في ملاحقة معارضيه داخل أوروبا.

تفاصيل الاعتداء وتدخل الشرطة البريطانية

بحسب شهادة الناشط أنس حبيب على منصة “إكس”، فإن أحمد عبدالقادر ميدو كان في حالة سُكر لحظة الاعتداء، وحمل سلاحاً أبيضاً وأشهره في وجهه مهدداً بالقتل، قبل أن تتدخل الشرطة البريطانية سريعاً وتوقفه. 

حبيب أكد أن الواقعة موثقة بالفيديو وأنه سيكشف تفاصيلها لاحقاً، مشيراً إلى أن التهم الموجهة لميدو تشمل “حمل سلاح أبيض بدون ترخيص” و”التهديد بالقتل”، وهي تهم خطيرة في القوانين البريطانية قد تضع مستقبله في أوروبا على المحك، سواء على صعيد نشاطه السياسي المرتبط بالنظام المصري أو على مستوى أعماله التجارية في شركة ONA Sports Marketing.

خطورة الحادثة لم تتوقف عند حدود الشجار، بل إن الشرطة تعاملت معها باعتبارها تهديداً إرهابياً محتملاً ضد معارضين سياسيين، وهو ما يضع النظام المصري في مأزق جديد، إذ تكشف الواقعة كيف تحولت بعض الأذرع الموالية له في الخارج إلى أدوات للقمع والاعتداء، بعيداً عن القانون والدستور الأوروبي.

صلات ميدو بالنظام وأذرع “حماية السفارات”

أحمد عبدالقادر “ميدو” ليس شخصاً عادياً، بل هو شخصية مثيرة للجدل داخل أوساط الجالية المصرية في أوروبا. يصف نفسه بقائد “حركة حماية السفارات”، وهي حركة ارتبط اسمها بمحاولات فضّ الاحتجاجات السلمية أمام السفارات المصرية في العواصم الأوروبية، عبر التحريض أو الاعتداء الجسدي على المعارضين.

علاقاته الوطيدة بوزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم، وكذلك برئيس المخابرات الحالي اللواء عباس كامل، تؤكد أنه يتحرك ضمن استراتيجية منظمة، وليست مجرد تصرفات فردية. مقاطع مصورة له انتشرت في الشهور الماضية، يظهر فيها وهو يتوعد المعارضين المصريين بالخارج، متعهداً بملاحقتهم أينما وجدوا، ما يجعل اعتقاله اليوم بمثابة سقوط مدوٍّ لواجهة من واجهات “البلطجة الدبلوماسية” التي يعتمد عليها النظام.

ردود فعل وانقسام بين المؤيدين والمعارضين

ردود الفعل لم تتأخر. ففي الوقت الذي اعتبر فيه أنس حبيب ما جرى “انتصاراً للقانون” ضد “بلطجة السيسي العابرة للحدود”، خرج ناصر، نائب رئيس اتحاد شباب المصريين بالخارج ولاعب الزمالك السابق، مدافعاً عن ميدو عبر فيسبوك، قائلاً: “ابن مصر هيطلع غصب عنهم… الفيديوهات موجودة وهما اللي دخلوا عشرة ومعاهم الشرطة ورغم كده جراهم كلهم”.

هذا الدفاع العلني يكشف الانقسام الحاد داخل أوساط المصريين بالخارج بين تيار معارض يطالب بإنهاء القبضة الأمنية، وآخر يبرر العنف باعتباره وسيلة لحماية النظام.

وفي المقابل، رأت منظمات حقوقية أن ما حدث يفتح الباب لتسليط الضوء على شبكات “شباب السفارات” التي تحولت إلى أذرع أمنية تعمل على بث الخوف وتكميم الأفواه، بدلاً من لعب دور اجتماعي أو ثقافي.

مطاردة متواصلة في أوروبا: يوسف حواس نموذجاً

لم يقتصر المشهد على لندن. فالمصادر الحقوقية كشفت أن الشرطة الهولندية تطارد يوسف حواس، أحد قيادات اتحاد شباب المصريين بالخارج، على خلفية مشاركته في واقعة اعتداء على معارضين أمام مبنى السفارة المصرية في هولندا. 

ورغم أن المصادر أكدت أنه “بخير” وأن الملاحقة لا تزال في إطار الإجراءات، إلا أن مجرد ورود اسمه في سجلات الشرطة الأوروبية يطرح أسئلة عميقة: هل تحوّل النظام المصري إلى “مصدّر للعنف” داخل القارة العجوز؟

هذه الأحداث المتكررة من لندن إلى أمستردام توحي بوجود استراتيجية ممنهجة، إذ لا يمكن اعتبارها حوادث فردية معزولة، بل جزءاً من سياسة “تكميم الأصوات” التي يطبقها النظام في الداخل، وينقلها أتباعه إلى الخارج.

دلالات الاعتقال على صورة نظام السيسي في الخارج

اعتقال ميدو يمثل صدمة للنظام المصري، الذي طالما سعى إلى تصدير صورة “الدولة المستقرة” في الخارج، وإلى الاستثمار في الدبلوماسية العامة عبر الجاليات. لكن ما حدث في لندن ينسف هذه الصورة، ويضع النظام أمام حرج كبير، خاصة أن القضية ستأخذ أبعاداً إعلامية وقضائية واسعة في بريطانيا، حيث يحظى ملف حقوق الإنسان باهتمام كبير داخل البرلمان والإعلام.

كما أن الواقعة قد تفتح شهية منظمات حقوقية لمطالبة السلطات البريطانية والأوروبية بمراجعة أنشطة “المجموعات الموالية للسيسي” في القارة، وربما إدراج بعضها ضمن قوائم المراقبة، باعتبارها تشكل تهديداً للأمن العام ولحرية التعبير.

بلطجة السيسي وإرهاب الدولة خارج الحدود

ما جرى في لندن هو مثال حي على “إرهاب الدولة” الذي يمارسه نظام السيسي ضد معارضيه. فالبلطجة لم تعد تقتصر على الشوارع المصرية أو على سجون القاهرة، بل امتدت لتشمل العواصم الأوروبية، عبر واجهات مدنية مثل “اتحاد الشباب المصري بالخارج” و”حركة حماية السفارات”.

هذه الشبكات، التي يُفترض أنها تمثل الشباب المصري في الخارج، تحولت إلى ميليشيات صغيرة تتحرك بأوامر أجهزة الأمن المصرية، وهدفها الرئيسي هو مطاردة الأصوات المعارضة، حتى لو كان ذلك عبر حمل السلاح الأبيض والتهديد بالقتل.

الخلاصة: سقوط القناع

اعتقال أحمد عبدالقادر ميدو في لندن ليس حادثاً عادياً، بل هو كشف صارخ لطبيعة النظام المصري القائم على القمع والبلطجة، حتى خارج حدوده. القضية مرشحة للتفاعل إعلامياً وسياسياً وقضائياً في الأسابيع المقبلة، وقد تتحول إلى بداية مسار قانوني جديد يضيّق الخناق على “شبيحة السيسي” في أوروبا.

في النهاية، يمكن القول إن النظام الذي فشل في إقناع شعبه بالداخل، لم يعد يملك سوى تصدير أدواته القمعية للخارج. غير أن أوروبا ليست القاهرة، والقانون هناك قد يضع حداً لهذه الممارسات ويكشف أمام العالم الوجه الحقيقي لنظام السيسي: نظام يعيش على إرهاب معارضيه، داخل السجون وخارج الحدود.

اقرأ أيضًا : انهيار الرواية الإسرائيلية… وزير الخارجية الهولندي المستقيل ينتقد “إسرائيل” رغم دعمه التاريخي لها