في مشهد يعكس التناقض الفاضح بين الشعارات الليبرالية الأمريكية والواقع القمعي على الأرض، اعتقلت الشرطة الأمريكية، ثلاثة طلاب من مناصري فلسطين خلال احتجاج سلمي نظمه طلاب وخريجون في جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك، للمطالبة بالإفراج عن الناشط الفلسطيني محمود خليل، الذي اعتُقل على خلفية مواقفه المناهضة للاحتلال الإسرائيلي.

جاء الاحتجاج في وقت يتصاعد فيه الغضب داخل الجامعات الأمريكية بسبب الموقف الرسمي لواشنطن، الداعم بلا شروط للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وهو ما دفع شريحة واسعة من الطلاب إلى تنظيم اعتصامات ووقفات احتجاجية رغم ضغوط إدارة الجامعات وتهديدات قوات الأمن.

ورغم سلمية الوقفة الاحتجاجية أمام البوابة الرئيسية لحرم جامعة كولومبيا في مانهاتن، بادرت الشرطة إلى فضها بالقوة واعتقال ثلاثة طلاب تحت ذريعة “عرقلة حركة المرور”، في مشهد يعيد إلى الأذهان صور القمع التي تتعرض لها الأصوات الحرة في الأنظمة السلطوية، لا في الدولة التي تتباهى عالمياً بحماية حرية التعبير وحقوق الإنسان.

محمود خليل.. من صوت طلابي إلى معتقل رأي

لم تكن هذه الوقفة الأولى في جامعة كولومبيا التي تشهد منذ شهور توتراً متصاعداً بين الطلاب المناصرين للقضية الفلسطينية وبين إدارة الجامعة المدعومة أمنياً. فقد اندلعت شرارة هذا التصعيد بعد اعتقال الناشط الطلابي محمود خليل في 8 مارس/آذار الماضي أثناء مشاركته في مظاهرة سلمية رفضاً للعدوان على غزة، حيث وُجهت إليه تهم غامضة تتعلق “بالإخلال بالنظام العام”، وهي تهم يعتبرها مناصروه ستاراً قانونياً لإسكات صوت رافض لجرائم الحرب.

خليل، وهو طالب دراسات عليا من أصول فلسطينية، تحول إلى رمز للحرية الطلابية في الحرم الجامعي، ورفعت صورته في عدة مظاهرات جرت خلال الأسابيع الماضية، خصوصاً مع تزايد التقارير عن انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي في غزة، حيث تؤكد مصادر طبية فلسطينية أن الغارات التي استأنفها جيش الاحتلال في 18 مارس/آذار أدت إلى استشهاد وإصابة الآلاف من المدنيين، بينهم نسبة كبيرة من الأطفال والنساء.

الاحتجاج الذي نُظم هذا الأسبوع لم يأت فقط رفضاً لاعتقال خليل، بل جاء في سياق أوسع من تصاعد الوعي الطلابي بمأساة الفلسطينيين، وتحول الحرم الجامعي إلى مساحة سياسية رافضة للتطبيع الأكاديمي مع الاحتلال، وناقدة للدور الأمريكي في تغذية آلة الحرب.

الحرية الأمريكية تحت المجهر الطلابي

المفارقة التي لا تغيب عن أذهان المحتجين، أن الجامعات الأمريكية – وعلى رأسها كولومبيا – كانت لعقود رمزاً للنقاش الحر والتعددية الفكرية، لكن ما إن تعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، حتى تتساقط أقنعة “الليبرالية” لتفسح المجال أمام تدخلات أمنية وقرارات إدارية تنحاز بشكل فاضح للرواية الإسرائيلية.

المتظاهرون الذين تحدّوا المطر وبرودة الطقس، لم ينسوا رفع شعارات تدين الدور الأمريكي في تأجيج الصراع، إذ حمّلوا واشنطن المسؤولية عن استمرار الإبادة في غزة عبر استمرار تدفق الأسلحة إلى إسرائيل، وطالبوا الإدارة الأمريكية بوقف الدعم العسكري، كما هاجموا وسائل الإعلام الأمريكية متهمين إياها بالتواطؤ في “طمس الحقائق وتبرير المجازر”.

كما شارك في الوقفة عدد من اليهود الأرثوذكس، الذين رفعوا شعارات “ليس باسمنا”، رفضاً لتوظيف الديانة اليهودية لتبرير جرائم الاحتلال، في مشهد نادر يكسر الصورة النمطية التي تروّج لها دوائر الإعلام بأن اليهود جميعهم يدعمون سياسات إسرائيل.

اعتقال ثلاثة طلاب في مثل هذا السياق لا يمكن قراءته إلا في إطار أوسع من تكميم الأفواه داخل الجامعات، التي باتت تحاصر أي تعبير تضامني مع فلسطين بحجج تنظيمية وأمنية، في حين تغض الطرف عن أنشطة مؤيدة للاحتلال تجري داخل الحرم نفسه.

بين شعارات الحرية وممارسات القمع

ما جرى في جامعة كولومبيا هو جرس إنذار جديد يكشف هشاشة ما يسمى بـ”الحرية الأكاديمية” في الولايات المتحدة، ويؤكد أن دعم فلسطين بات “جريمة رأي” في عيون الأجهزة الأمنية.

اعتقال الطلاب الثلاثة لن يوقف المد الطلابي المتضامن مع فلسطين، بل يُتوقع أن يُشعل مزيداً من الاحتجاجات في الأسابيع المقبلة، خصوصاً مع اقتراب نهاية العام الدراسي وتنظيم حفلات التخرج التي تحوّلت في العديد من الجامعات إلى منصات لإيصال الصوت الفلسطيني.

في بلد يزعم أنه منارة الديمقراطية، لا يزال يتم اعتقال طلاب فقط لأنهم رفعوا لافتة كتب عليها “فلسطين حرة”، ما يجعل السؤال مشروعاً: هل بقيت الحرية الأمريكية سوى ديكور في قاعة محاضرات؟

اقرأ أيضًا : كامبريدج تسحب استثماراتها من الاحتلال وصناعة السلاح.. حين تقاطع الجامعات ويتواطأ الحكام