في تصعيد غير مسبوق للصراع بين إيران وإسرائيل، توعدت طهران برد “مؤلم وقاسٍ” عقب سلسلة من الهجمات الجوية التي أسفرت عن اغتيال عدد من كبار قادتها العسكريين والعلماء النوويين.
وفيما تباهت إسرائيل بنجاح ما وصفته بـ”الضربة الاستباقية”، حمّلت إيران الولايات المتحدة المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذه المغامرة، معتبرة أن الهجوم لم يكن ليحدث دون تنسيق أميركي مباشر.

اغتيالات من العيار الثقيل
أعلنت إيران رسمياً مقتل قائد الحرس الثوري حسين سلامي، إلى جانب اللواء غلام علي رشيد، قائد مقر “خاتم الأنبياء”، في سلسلة من الضربات الجوية الإسرائيلية استهدفت العاصمة طهران ومحيطها. كما شملت الغارات اغتيال اثنين من أبرز العلماء النوويين في البلاد: فريدون عباسي ومحمد مهدي طهرانجي، وهما من الأسماء البارزة في برنامج إيران النووي المثير للجدل.
إلى جانب ذلك، أُصيب علي شمخاني، المستشار الأمني للمرشد الأعلى علي خامنئي، في واحدة من الضربات، ما يكشف عن دقة الاستهداف وعمقه داخل الدائرة الضيقة لصنع القرار العسكري والأمني الإيراني.
إيران: الرد قادم
ردود الفعل الإيرانية جاءت سريعة ومشحونة بالغضب. المرشد الأعلى علي خامنئي وصف إسرائيل بأنها “أعدت مصيرًا مؤلمًا لنفسها”، مؤكداً أن “اليد القوية للقوات المسلحة لن تترك هذا العمل دون رد”. أما وزارة الخارجية الإيرانية، فحمّلت الولايات المتحدة المسؤولية عن الضربات، واعتبرت أن “أي عدوان من الكيان الصهيوني لا يتم دون موافقة أميركية”.
الجيش الإيراني أكد أن “القوات المسلحة والحرس الثوري يخوضان معارك في سماء البلاد، وسنعلن نتائجها لاحقاً”، فيما هدد المتحدث باسم هيئة الأركان بأن “الرد سيكون قاسياً وسيدفع الأعداء الثمن غالياً”.
استراتيجية الاغتيالات: ثقافة إسرائيلية مستمرة
لم يكن هذا الهجوم سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاغتيالات التي تُعد جزءًا أساسياً من العقيدة الأمنية الإسرائيلية، والتي تستند إلى ما يُعرف بـ”الضربات الوقائية” ضد من يُشتبه في أنهم يخططون لأعمال ضدها. لكن في الحالة الإيرانية، باتت هذه الضربات تتجاوز الاغتيالات الفردية لتشمل بنى تحتية عسكرية وعلمية حساسة، في محاولة واضحة لكبح النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة.
ومن المعروف أن إسرائيل نفّذت عمليات اغتيال مشابهة في السنوات الماضية استهدفت علماء إيرانيين مثل محسن فخري زاده، وعدداً من قادة “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري. إلا أن الاغتيالات الأخيرة تمثل تصعيدًا لافتًا من حيث الأسماء المستهدفة والمناطق التي ضُربت.
ضربات دقيقة في قلب العاصمة
نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين إيرانيين أن الضربات استهدفت ست قواعد عسكرية على الأقل في محيط طهران، بينها منشأة بارشين الحساسة، فضلاً عن منازل سكنية تخص قيادات بالحرس الثوري. ووفقًا لإذاعة الجيش الإسرائيلي، فإن “الضربة الافتتاحية شملت أهدافًا للدفاع الجوي وصواريخ أرض-أرض”، مؤكدة أنها “كانت واسعة النطاق واستهدفت تصفية قيادات عسكرية”.
فيما قالت القناة 13 الإسرائيلية إن نتائج الضربة قد تكون “أفضل من المتوقع”، مشيرة إلى أنها نفذت في حي يقيم فيه كبار قادة الحرس الثوري، ما يشير إلى معلومات استخباراتية دقيقة وفترة إعداد طويلة.
تهديدات متبادلة واحتمالات التصعيد
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مزيد من التصعيد، حيث لم تعد المعارك تدور عبر الوكلاء أو على أطراف النفوذ، بل باتت تصل إلى عمق العواصم. إيران، التي تُعرف بقدرتها على الرد عبر أطراف حليفة مثل حزب الله أو الحوثيين، قد تختار تنفيذ هجمات مباشرة أو عبر وكلائها في المنطقة، ما يفتح الباب أمام موجة جديدة من المواجهات الإقليمية.
من جانبها، إسرائيل تستبق الرد بتشديد إجراءاتها الأمنية داخل الأراضي المحتلة، وإعلان حالة التأهب القصوى، تحسبًا لضربات انتقامية قد تستهدف مصالحها في الخارج أو عبر الحدود الشمالية.
الخلاصة: معركة العقول والسلاح
الاغتيالات الأخيرة لا تعكس فقط نزاعًا مسلحًا بين قوتين إقليميتين، بل تُبرز حربًا على العقول والبنى التحتية الاستراتيجية. إذ يُعد استهداف علماء نوويين رسالة مزدوجة: ضرب الطموح النووي الإيراني، وتوجيه إنذار للعقل العلمي الذي يقف خلفه. وفي المقابل، تسعى إيران إلى إثبات أن اغتيال قادتها لن يمر دون ثمن، وأنها ما زالت قادرة على الرد في الزمان والمكان الذي تختاره.
يبقى السؤال: هل يكون الرد الإيراني موضعياً ورمزياً، أم بداية لدوامة انتقامية ستشعل الإقليم؟ الأيام القليلة المقبلة قد تحمل الجواب.
هل ترغب في عرض الخريطة التوضيحية للضربات أو تحليل مفصل لأسماء المستهدفين؟