في واحدة من أخطر الغارات التي تشهدها الضاحية الجنوبية منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار قبل عام، أعلن “حزب الله” اللبناني مساء الأحد، بشكل رسمي استشهاد القيادي البارز هيثم علي الطبطبائي (السيد أبو علي)، إثر غارة إسرائيلية استهدفت منطقة حارة حريك المكتظة بالسكان في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت.
العملية التي وصفها لبنانيون بأنها “اغتيال سياسي ورسالة حرب” جاءت في لحظة شديدة الحساسية، بعدما كان لبنان يعيش حالة من الهدوء النسبي المشوب بالتوتر منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2024. لكن استهداف شخصية قيادية بهذا الحجم، في منطقة مدنية، فتح الباب واسعاً أمام أسئلة حول نيات الاحتلال وإصراره على تفجير الساحة اللبنانية مجدداً.
![]()
حزب الله ينعى قائداً بارزاً: اغتيال مُعدّ بدقة
في بيان نعيٍ حمل نبرة تعبئة واضحة، قال حزب الله:
“بكل فخر واعتزاز يزف حزب الله إلى أهل المقاومة وشعبنا اللبناني القائد الجهادي الكبير الشهيد هيثم علي الطبطبائي (السيد أبو علي) الذي ارتقى شهيداً فداء للبنان وشعبه إثر عدوان إسرائيلي غادر على منطقة حارة حريك”.
البيان أفرد مساحة واسعة لتاريخ الطبطبائي ودوره في “تأسيس مداميك القوة العسكرية للحزب”، وهو ما عُدّ تأكيداً ضمنياً على أن الرجل يشغل موقعاً رفيعاً في الهيكل العسكري والأمني. كذلك اختار الحزب مفردات تعبّر عن أن الاغتيال “لن يمر بلا رد”، إذ شدد على أن دم الشهيد “سيُحمل كما حمل المجاهدون دماء القادة الشهداء، للمضي بثبات لإسقاط مشاريع العدو”.
هذا النوع من البيانات، في السياق اللبناني، مؤشر على أن الحزب لن يتجاهل ما يعتبره “تجاوزاً استراتيجياً”.
قماطي: الغارة استهدفت شخصية عسكرية أساسية.. والرد قيد الدرس
وقبل الإعلان الرسمي، زار محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، مكان الغارة قائلاً إن الهجوم “استهدف شخصية عسكرية أساسية”، مؤكداً أن الاغتيال “تجاوز للخط الأحمر” وأن قيادة الحزب “ستدرس كيفية الرد”.
ورغم أن قماطي لم يكشف هوية المستهدف حينها، فإن حديثه عن “خط أحمر” أوحى بأن الهدف ليس شخصية عادية. لاحقاً، جاءت رواية الاحتلال لتؤكد ذلك.
الاحتلال يكشف.. والإعلام العبري يؤكد: الاغتيال استهدف أبو علي الطبطبائي
جيش الاحتلال الإسرائيلي أعلن عبر منصة “إكس” أنه “استهدف مخرباً رئيسياً في حزب الله ببيروت”.
لكن الإعلام العبري كان أكثر وضوحاً؛ إذ كشفت إذاعة الجيش أن الهجوم “موجه إلى أبو علي الطبطبائي، قائد الجناح العسكري للحزب”.
كما أفادت هيئة البث العبرية بأن الاحتلال أبلغ الولايات المتحدة مسبقاً بالغارة، وهو ما يشير إلى أن العملية كانت محسوبة ومرسومة بدقة، وليست رد فعل عابر كما تحاول إسرائيل الادعاء.
غارة في قلب منطقة مدنية.. جريمة جديدة تضاف لسجل الاحتلال
وزارة الصحة اللبنانية أعلنت استشهاد 5 أشخاص وإصابة 28 آخرين، بينهم مدنيون.
الغارة استهدفت مبنى سكنياً في حارة حريك، وهي منطقة مكتظة، ما يجعلها جريمة حرب وفق القانون الدولي، خصوصاً مع غياب أي مؤشر على نشاط عسكري داخل المبنى المستهدف.
الرئيس اللبناني جوزاف عون اعتبر القصف “دليلاً جديداً على أن إسرائيل لا تأبه للدعوات الدولية لوقف اعتداءاتها”، محذراً من “تدهور يعيد التوتر إلى المنطقة” وداعياً المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته.
لكن تصريحات الرئيس تكشف عجز الدولة اللبنانية في ظل غياب الردع الدولي، وتؤكد أن الاحتلال بات يتصرف كما لو أن الأجواء اللبنانية مباحة له، في ظل فراغ سياسي وتواطؤ دولي واضح.
خرق صارخ للهدنة.. واستمرار لمسار التصعيد
منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، والذي أنهى حرباً مدمرة أوقعت أكثر من 4 آلاف شهيد في لبنان، كثّف الاحتلال خروقاته الجوية والصاروخية.
لكن استهداف قيادي بهذا المستوى يمثل أخطر خرق منذ توقيع الاتفاق.
الاتفاق ذاته تضمّن انسحاب الاحتلال من 5 تلال لبنانية بعد 60 يوماً، لكن إسرائيل لم تنفذ التزامها، بل عززت قواتها واستمرت في قصف الجنوب والهرمل والبقاع.
اغتيال الطبطبائي يأتي في هذا السياق: محاولة لتغيير قواعد الاشتباك وفرض واقع جديد.
هل يريد الاحتلال استدراج لبنان إلى مواجهة جديدة؟
العديد من التحليلات ترى أن تل أبيب تسعى لتحقيق ثلاثة أهداف:
1. توجيه رسالة داخلية بأنها قادرة على اغتيال قادة الحزب حتى في قلب الضاحية
وذلك بعد الانتقادات الحادة التي يتعرض لها نتنياهو بسبب “العجز” في غزة.
2. اختبار رد حزب الله ومعرفة هامش تحركه في ظل الهدنة
وهو تكتيك اعتمدته إسرائيل سابقاً في سوريا ولبنان.
3. فتح الباب أمام تصعيد تدريجي قد يبرر شن حملة أوسع على لبنان
خاصة مع التسريبات المتزايدة عن خطط عسكرية إسرائيلية مؤجلة منذ نهاية حرب 2024.
إجرام الاحتلال.. وخرق ممنهج للهدنة
الغارة ليست استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات:
-
قصف متكرر للجنوب والداخل اللبناني.
-
استهداف الدفاعات المدنية أكثر من مرة.
-
استمرار احتلال تلال لبنانية رغم نص الاتفاق على الانسحاب.
-
عمليات اغتيال موضعية في البقاع والجنوب خلال الأشهر الماضية.
كل ذلك يعكس أن الاحتلال يتصرف باعتباره فوق القانون، مستنداً إلى دعم أمريكي غير محدود وشلل دولي كامل.
خاتمة: اغتيال قد يشعل مرحلة جديدة
اغتيال أبو علي الطبطبائي لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأوسع، ولا عن حسابات الاحتلال الداخلية.
لكن المؤكد أن تل أبيب أقدمت على خطوة تفتح الباب أمام مواجهة جديدة، سواء كانت محسوبة أو غير محسوبة.
ويبقى السؤال:
هل يرد حزب الله سريعاً، أم ينتظر اللحظة التي يراها مناسبة لفرض معادلة ردع جديدة؟
أياً كان الجواب، فإن خطورة المرحلة تتصاعد، ولبنان يقف على أبواب منعطف قد يكون الأخطر منذ حرب 2006.
اقرأ أيضًا : الوسطاء في الواجهة: حماس تطالب بكشف هوية “المسلح المزعوم” بعد خروقات إسرائيلية واسعة في غزة