في مشهد صادم هزّ الولايات المتحدة، قُتل الناشط اليميني البارز تشارلي كيرك بالرصاص أثناء إلقائه خطاباً أمام آلاف الطلاب في جامعة “يوتاه فالي” بمدينة أورِم، قرب سالت ليك سيتي، مساء الأربعاء، في حادثة وُصفت بأنها “اغتيال سياسي غير مسبوق”، وأثارت عاصفة من الغضب والجدل السياسي في البلاد التي تعيش أصلاً على وقع استقطاب غير مسبوق منذ سنوات.

تفاصيل العملية وتكثيف التحقيقات

أفادت وزارة السلامة العامة في ولاية يوتاه أنّ المهاجم أطلق النار من على سطح مبنى مجاور، وكان يرتدي ملابس داكنة ويضع قفازات، قبل أن يلوذ بالفرار وسط حالة من الفوضى العارمة بين الحاضرين. وأشارت السلطات إلى أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) يشارك في التحقيق إلى جانب شرطة الولاية والشرطة المحلية، وأن شخصين أوقفا مبدئيًا على ذمة التحقيق لكن جرى الإفراج عنهما لاحقاً بعد عدم ثبوت صلتهما بالهجوم.

وأظهرت مقاطع مصوّرة لحظة الهجوم حالة الهلع والذعر التي عمّت القاعة، حيث فرّ مئات الطلاب نحو المخارج بعد سماع دوي إطلاق النار، فيما هرع عناصر الأمن نحو المنصة لحماية كيرك الذي نُقل بسرعة إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة بعد دقائق متأثراً بجراحه البالغة.

الحاكم الجمهوري لولاية يوتاه، سبنسر كوكس، وصف العملية بأنها “اغتيال سياسي صريح ومتعمد”، بينما أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتنـكيس الأعلام في جميع أنحاء البلاد ثلاثة أيام، وتوعّد في خطاب مقتضب بـ”ملاحقة كل من ساهم في هذه الجريمة، أفراداً أو منظمات أو من حرّضوا عليها”، واصفاً كيرك بأنه “بطل الحرية وكابوس اليسار الراديكالي”.

شخصية مثيرة للجدل وانقسام سياسي حاد

كيرك، المعروف بقربه الشديد من ترامب، هو مؤسس منظمة Turning Point USA التي تلعب دوراً محورياً في تعبئة ودعم الطلاب الجامعيين المحافظين، وكان يقود في الأيام الأخيرة جولة بعنوان “جولة العودة الأمريكية” تهدف إلى حشد التأييد للتيار المحافظ استعداداً للانتخابات الرئاسية المقبلة. وقد كان من أبرز الأصوات الداعية إلى محاربة ما وصفه بـ”غزو الأفكار الاشتراكية واليسارية للجامعات الأمريكية”، وغالباً ما أثارت تصريحاته سجالات حادة مع التيارات الليبرالية.

ردود الفعل السياسية داخل الولايات المتحدة عكست حجم الانقسام المتجذر؛ فقد سارع كل من الرئيس الأسبق باراك أوباما والرئيس الحالي جو بايدن إلى إدانة الاغتيال واعتباره “فعلاً شائناً لا مكان له في الديمقراطية الأمريكية”، بينما شهد الكونغرس مشادة حادة عندما تحوّلت محاولة الوقوف دقيقة صمت حداداً على كيرك إلى تراشق بالاتهامات بين نواب جمهوريين وديمقراطيين، إذ حمّل كل طرف الآخر مسؤولية تأجيج مناخ الكراهية والعنف السياسي.

تحذيرات من انزلاق أمريكا إلى دوامة العنف السياسي

صحيفة “الغارديان” البريطانية نقلت عن خبراء أمنيين قولهم إن اغتيال كيرك يمثّل “منعطفاً خطيراً قد يشعل موجة جديدة من العنف السياسي” في بلد شهد منذ اقتحام أنصار ترامب مبنى الكونغرس في يناير 2021 أكثر من 300 حادثة عنف سياسي مسجلة، وفق بيانات نشرتها وكالة “رويترز”. ويخشى محللون أن تتحول الجريمة إلى شرارة لفوضى أوسع، خصوصاً في ظل الخطاب التصعيدي من قادة اليمين المتطرف الذين توعّد بعضهم بـ”الانتقام” واعتبروا أن الاغتيال استهداف مباشر للتيار المحافظ برمته.

ويرى باحثون في معهد “بروكينغز” أن الحادثة تندرج ضمن نمط متصاعد من التطرف السياسي في الولايات المتحدة، حيث تتزايد حدة التحريض، وتضيق المسافة بين الخطاب العنيف والتنفيذ الفعلي. ويحذر هؤلاء من أن الردود الانتقامية التي بدأ بعض أنصار ترامب يلوّحون بها قد تقود البلاد إلى مرحلة من “الإرهاب السياسي المتبادل”، في ظل بيئة استقطاب محتدمة وضعف الثقة بالمؤسسات.

إرهاب الاحتلال كنموذج مُلهم للعنف

وفي خضم النقاش حول جذور العنف السياسي، ربط بعض المحللين الأمريكيين بين هذا التصاعد وبين المناخ العالمي المشحون الذي يتغذى على مشاهد العنف والإفلات من العقاب، مشيرين تحديداً إلى إرهاب الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين بوصفه أحد النماذج التي تبعث برسالة ضمنية مفادها أن “العنف السياسي قد يُكافأ لا يُعاقب”. ولفتت مقالات رأي في صحف أمريكية إلى أن استمرار مشاهد القصف والقتل الجماعي للمدنيين في غزة دون محاسبة، يشجع جماعات يمينية متطرفة في الغرب على تبني منطق “القوة المطلقة والرد بالمثل” كوسيلة وحيدة لتحقيق الأهداف.

هذا الربط يعكس اتجاهاً متنامياً في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الأمريكية ينبه إلى خطورة تطبيع العنف السياسي عالمياً، إذ يعتقد البعض أن إفلات الاحتلال من العقاب على جرائم موثقة بحق المدنيين، يخلق مناخاً يرى فيه المتطرفون أن العنف وسيلة مشروعة للدفاع عن أفكارهم أو انتقاماً من خصومهم السياسيين.

مستقبل غامض وبلد على فوهة بركان

بينما تواصل الشرطة الفيدرالية مطاردة القاتل المجهول الذي لا يزال طليقاً حتى الآن، تبدو أمريكا أمام مفترق طرق حاسم، حيث يحذّر محللون من أن أي خطوة انتقامية قد تدفع البلاد إلى دوامة من العنف السياسي المتبادل، خاصة مع دخولها موسم انتخابات رئاسية شديدة الاستقطاب. وفي ظل خطاب الكراهية المتصاعد، تبدو جريمة اغتيال تشارلي كيرك أكثر من مجرد حادثة فردية، بل جرس إنذار ينذر بأن الولايات المتحدة قد تكون على أعتاب عصر جديد من العنف السياسي المنفلت من عقاله.

اقرأ أيضًا : ترامب في مواجهة مباشرة مع هتافات مؤيدة لفلسطين داخل مطعم بواشنطن