في تطور ميداني لافت يعكس تصاعد الصراع داخل إقليم دارفور، أفادت مصادر للجزيرة بمقتل القائد الميداني في ميليشيا الدعم السريع حامد علي أبو بكر، إثر هجوم بطائرة مسيّرة استهدف مدينة زالنجي بوسط دارفور غربي السودان. 

الحادثة لا تمثل مجرد خسارة عسكرية عابرة، بل تكشف حجم التآكل الذي تعانيه الميليشيا، وتفتح الباب أمام أسئلة أوسع حول مستقبل نفوذها، والدور الخارجي—وفي مقدمته الدور الإماراتي—في استمرار الحرب.

ضربة دقيقة في قلب زالنجي

بحسب المصادر، وقع الهجوم الجوي في توقيت بالغ الحساسية، واستهدف موقعًا يُعتقد أن أبو بكر كان يدير منه عمليات ميدانية. ويُعد القتيل من أبرز القادة الذين نشطوا في وسط وغرب دارفور، إذ كان يقود تشكيلًا يُعرف باسم “متحرك السيف الباتر”، وهو أحد الأذرع المتهمة بالمشاركة في هجمات عنيفة ضد مناطق مدنية وعمليات تهجير قسري.

الهجوم بالطائرة المسيّرة يشير إلى تطور لافت في طبيعة المواجهة، وإلى اختراق أمني واستخباراتي داخل مناطق سيطرة الميليشيا، ما يضعف قدرتها على حماية قياداتها.

خطاب “الاغتيال” والبحث عن شماعة

سارع الباشا طبيق، مستشار قائد ميليشيا الدعم السريع، إلى نعي أبو بكر، واصفًا مقتله بأنه “عملية اغتيال”، ومتهمًا الجيش السوداني بالمسؤولية. وفي بيان نشره على فيسبوك، توعّد طبيق بأن “يدفع الجيش ثمنًا غاليًا”، معتبرًا أن استهداف القادة لن يزيد الميليشيا إلا إصرارًا على ما سماه “مسيرة التحرير الشامل”.

غير أن هذا الخطاب، وفق مراقبين، يعكس حالة ارتباك أكثر مما يعكس قوة. فالاتهام الجاهز ومحاولة تحويل الخسارة إلى مادة تعبئة معنوية يخفيان واقعًا ميدانيًا صعبًا، يتمثل في خسائر متراكمة وتراجع القدرة على السيطرة.

من القائد إلى المدني: حملة اعتقالات عشوائية

بالتوازي مع الإعلان عن مقتل أبو بكر، كشفت مصادر للجزيرة عن مسارعة ميليشيا الدعم السريع إلى اعتقال عدد من الشبان في مدينة زالنجي، بشبهة “التخابر مع الجيش”.

هذه الخطوة تعكس نمطًا متكررًا في سلوك الميليشيا، حيث تُترجم الضربات العسكرية إلى حملات قمع داخلي ضد المدنيين، في محاولة لفرض السيطرة وبث الخوف. وغالبًا ما تؤدي هذه الاعتقالات إلى انتهاكات جسيمة، تشمل التعذيب والاختفاء القسري، ما يزيد من معاناة السكان في مدينة أنهكتها الحرب.

دارفور… ساحة استنزاف مفتوحة

يأتي مقتل أبو بكر في سياق أوسع من التآكل الذي تشهده ميليشيا الدعم السريع في دارفور، حيث تواجه ضغطًا عسكريًا متزايدًا، إلى جانب عزلة شعبية متنامية نتيجة الانتهاكات الواسعة.

فالإقليم الذي عانى لعقود من الحروب والتهميش بات اليوم ساحة استنزاف مفتوحة، تدفع فيها الميليشيا أثمانًا بشرية متزايدة، بينما يظل المدنيون الحلقة الأضعف في معادلة العنف.

الميليشيا بلا شرعية ولا مشروع

تكشف هذه التطورات مجددًا أن الدعم السريع لم يعد مجرد “قوة موازية”، بل ميليشيا مسلحة تعمل خارج أي إطار وطني أو قانوني. فخطاب “التحرير” الذي ترفعه لا يجد ما يسنده على الأرض، في ظل سجل حافل بالانتهاكات، من القتل الجماعي إلى التهجير القسري ونهب الممتلكات.

ومع سقوط قادة ميدانيين بارزين، يتضح أن الميليشيا تعتمد على القوة العارية، لا على مشروع سياسي أو حاضنة اجتماعية حقيقية.

الدور الإماراتي… وقود الحرب المستمر

لا يمكن قراءة مشهد دارفور بمعزل عن الدور الإماراتي في دعم ميليشيا الدعم السريع. فقد كشفت تقارير أممية وتحقيقات صحفية خلال العامين الماضيين عن مسارات تسليح وتمويل تصل إلى الميليشيا عبر دول مجاورة، في ظل غطاء سياسي وإعلامي وفرته أبوظبي.

هذا الدعم، الذي شمل أسلحة متطورة ومسيّرات، أسهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد مسارات الحل، وجعل من دارفور ساحة لتصفية حسابات إقليمية على حساب دماء السودانيين.

حرب بلا أفق إنساني

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، قُتل عشرات الآلاف، وشُرّد نحو 13 مليون شخص، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومع كل قائد يسقط، يتأكد أن استمرار الدعم الخارجي—وفي مقدمته الدور الإماراتي—لا يقود إلى “حسم” بقدر ما يغرق السودان في دائرة عنف لا نهاية لها، يكون المدنيون فيها دائمًا الخاسر الأكبر.

اقرأ أيضًا : قصف إسرائيلي على خان يونس والسيول تغرق خيام النازحين