في تصعيد خطير وانتهاك فج للوضع القائم في القدس المحتلة، اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، صباح الأحد، باحات المسجد الأقصى المبارك، بمرافقة عشرات المستوطنين وجنود الاحتلال، في ما يسمى لدى اليهود بـ”ذكرى خراب الهيكل”، وهي مناسبة سنوية باتت تتحول إلى موسم تصعيد ممنهج ضد المسجد الأقصى، تمهيدًا لفرض تقسيمه زمانيًا ومكانيًا، على غرار ما جرى في الحرم الإبراهيمي بالخليل.

اقتحام سياسي بغطاء ديني.. طقوس تلمودية واستفزاز للأهالي
قاد بن غفير مسيرة استفزازية للمستوطنين داخل باحات الأقصى، برفقة عضو الكنيست عميت هاليفي من حزب “الليكود”، وسط حماية أمنية مشددة من شرطة الاحتلال. ولم يكتفِ بالمرور الاستعراضي، بل أدى طقوسًا تلمودية صريحة، وتوقف في عدة مواقع من المسجد ليلقي تصريحاتٍ استفزازية، وصف فيها الأقصى بـ”جبل الهيكل”، مؤكدًا أن “الشعب اليهودي حاضر بقوة هنا”، في خطاب يدفع نحو إشعال المنطقة.
ووفق دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، فقد بلغ عدد المستوطنين الذين اقتحموا الأقصى منذ ساعات الصباح أكثر من 1250 مستوطنا، شاركوا في طقوس تلمودية، ورقصات وهتافات دينية صاخبة، في مشهد أعاد للأذهان الاقتحامات المكثفة التي سبقت الانتفاضتين الثانية والثالثة.
وفي الليلة السابقة، قاد بن غفير بنفسه مسيرة ليلية داخل البلدة القديمة، تخللها اعتداءات على المقدسيين وتهديدات مباشرة، بالتزامن مع دعوات أطلقتها ما تسمى “منظمات الهيكل” المتطرفة لـ”الاقتحام الأكبر” للمسجد الأقصى، في يومٍ اعتبروه “فرصة تاريخية” لتغيير الوضع القائم داخل المسجد، وتحقيق حلم “بناء الهيكل الثالث”.
تمهيد ميداني وتواطؤ حكومي: الأقصى تحت خطر التهويد المنهجي
ما يجري في الأقصى لم يعد مجرد اقتحامات فردية، بل بات خطة ممنهجة ومدعومة من أعلى هرم السلطة الإسرائيلية، حيث يستغل بن غفير موقعه الرسمي كوزير للأمن القومي لتحويل أوهامه الدينية إلى سياسات عملية على الأرض. فالرجل الذي طالما دعا إلى “السيادة اليهودية الكاملة” على المسجد الأقصى، أصدر خلال الأسابيع الماضية تعليمات مباشرة للشرطة بالسماح للمستوطنين بالغناء والرقص داخل باحات المسجد، وهو ما كان مرفوضًا في العقود الماضية حفاظًا على “الوضع القائم” الذي يقر به المجتمع الدولي.
وفي شهر مايو/أيار الماضي، أعلن بن غفير بكل وقاحة أن “الصلاة والسجود باتا ممكنين في جبل الهيكل”، في تجاوزٍ خطير للخطوط الحمراء الدينية والسياسية، مستفيدًا من التحالف الحكومي اليميني المتطرف الذي يتبنى أجندة الحركات الاستيطانية، ويرى في المسجد الأقصى “مكانًا متنازعًا عليه”، وليس مقدسًا خالصًا للمسلمين.
هذا التواطؤ الحكومي لا يقتصر على التصريحات، بل يمتد إلى الأرض، حيث توفر الشرطة والحكومة الحماية الكاملة للمستوطنين أثناء اقتحاماتهم، وتمنع الفلسطينيين من التواجد أو التصوير أو حتى الاعتراض، كما تغلق أبواب المسجد أمام المصلين في كثير من الأحيان، في مشهد أشبه بحصار يومي يفرض على الأقصى تدريجياً.
تصعيد مفتوح.. وخطر الانفجار يقترب
الاقتحام الجديد يأتي في ظل ظرف إقليمي شديد الحساسية، حيث لا تزال حرب الإبادة متواصلة في غزة، والضفة الغربية تعيش على وقع اجتياحات يومية، ومخيمات اللاجئين تتعرض للقصف والاعتقالات. وفي هذا السياق، يبدو أن الحكومة الإسرائيلية تحاول تصدير أزمتها الداخلية نحو تصعيد ديني في القدس، لخلط الأوراق، وفرض أمر واقع يستبق أي تسوية سياسية.
لكن هذه المحاولات قد تدفع ثمنًا باهظًا، فالمقدسيون والمصلون المرابطون لا يقفون مكتوفي الأيدي، بل يواجهون هذه الاقتحامات بالصمود والدعاء والتكبير، رغم الاعتقالات والاعتداءات المتواصلة. وقد أكدت فصائل المقاومة في غزة أكثر من مرة أن أي تصعيد في المسجد الأقصى “لن يمر دون رد”، وأن “الأقصى خط أحمر”.
كما أن تحذيرات محافظة القدس من أن هذه الذكرى تعد من أخطر أيام السنة على المسجد، ليست مجرد توصيفات إعلامية، بل تعبّر عن إدراك فلسطيني حقيقي بأن إسرائيل تسير بسرعة نحو تقسيم المسجد الأقصى، خاصة وأن ما يجري يتم تحت مظلة القانون الإسرائيلي، وبدعم مباشر من الحكومة والكنيست، وسكوت دولي مريب.
خلاصة: صراع الهوية على بوابة السماء
إن اقتحام بن غفير للمسجد الأقصى ليس مجرد فعالية دينية، بل إعلان حرب على الهوية الإسلامية للقدس، ومحاولة سياسية لفرض السيادة بالقوة تحت غطاء التوراة والتلمود. وهو امتداد لمشروع تهويد المدينة بأكملها، من مصادرة الأراضي وهدم المنازل، إلى فرض التقسيم الزماني والمكاني للمقدسات.
وفي ظل غياب رادع دولي، واستمرار الانقسام العربي، فإن المسؤولية تبقى على عاتق الشارع الفلسطيني والمقدسي، الذي أثبت مرارًا أنه الرقم الصعب في المعادلة، وأن الأقصى لن يُترك وحيدًا. فالمعركة لم تعد فقط على المسجد، بل على هوية القدس، وعلى روح القضية الفلسطينية كلها.
اقرأ أيضًا : ففيديو المقاومة يقلب الطاولة.. غانتس يدعو لصفقة شاملة لإخراج الأسرى مهما كلف الثمن