بقلم: مقرن العنذي

تبدو السعودية اليوم كمن يركض في سباق ماراثوني بأحلام أولمبية وأقدام مقيدة. فبين طموحات نيوم وأحلام استضافة إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، تعاني المملكة من مؤشرات مقلقة لما يمكن وصفه بـ “التخبط الاقتصادي” الناتج عن تراجع العائدات النفطية واتساع فجوة العجز المالي.

في تقرير مثير نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، كُشف الستار عن معادلة غير متوازنة: خفض في الإنفاق، وتسريحات وظيفية، وتراجع في الاستثمارات الأجنبية، في مقابل مشاريع ضخمة يصعب تبريرها اقتصاديًا. فهل نحن أمام تصحيح مالي مرحلي؟ أم أمام علامات على أزمة هيكلية تتطلب إعادة تعريف الأولويات؟

النفط لم يعُد حبل النجاة

لطالما كان النفط صمام الأمان للاقتصاد السعودي. لكن، في ظل انخفاض أسعاره، لم يعد “الذهب الأسود” قادرًا على سدّ فجوات الإنفاق التوسعي. ومع توقّع أن يصل العجز المالي في 2025 إلى 2.3% من الناتج المحلي، فإن الاعتماد المفرط على النفط بدا كما لو أنه رهان على سلعة غير مستقرة في سوق أكثر اضطرابًا من أي وقت مضى.

هذا الانكماش دفع عملاق النفط “أرامكو” إلى تقليص توزيعات الأرباح إلى 85.4 مليار دولار، ما يشير إلى ضغوط مالية بدأت تمسّ حتى أكثر أدوات القوة الاقتصادية رسوخًا.

نيوم ومشاريع الأحلام: هل تنهار تحت ثقل الواقع؟

مشروع نيوم، الذي كان يُنظر إليه بوصفه واجهة “رؤية 2030″، تلقّى ضربة قوية مع إلغاء عقد بقيمة 5 مليارات دولار، في ظل تخفيضات ميزانية وصلت إلى 60% ببعض أجزائه. فهل بات المشروع، رغم ضخامته، عبئًا أكثر من كونه رافعة اقتصادية؟

بل إن الأمر لم يتوقف عند نيوم؛ فمشاريع البحر الأحمر، والقدية، وغيرها من مبادرات “صندوق الاستثمارات العامة” بدأت تشهد تسريحات صامتة وتقليصًا في الميزانيات، بحسب مصادر مطلعة.

صندوق الاستثمارات: تصحيح أم ارتباك؟

خفض الصندوق لإنفاقه بنسبة 20% في عام 2025 لم يكن مجرد قرار إداري. إنه مؤشر على تحوّل استراتيجي داخلي، وربما اعتراف ضمني بعدم قابلية بعض المشاريع للتنفيذ وفق الوتيرة والطموح المُعلنين.

وفق تصريحات لمصادر اقتصادية، فإن العديد من الكيانات التابعة للصندوق فشلت في جذب القطاع الخاص، والسبب؟ “نماذج أعمال لا معنى اقتصاديًا لها”. وهذه شهادة قاسية من داخل السوق، تُظهر مدى التباعد بين التخطيط الورقي والواقع العملي.

الاستثمار الأجنبي ينأى بنفسه

الاستثمار الأجنبي، الذي تعوّل عليه المملكة لتقليل الاعتماد على النفط، سجل تراجعًا بنسبة 21% في الربع الثالث من عام 2024 مقارنة بنفس الفترة في العام السابق. هذا التراجع لا يعكس فقط تقلبات السوق العالمية، بل يكشف عن تردد المستثمرين في دخول مشاريع تفتقر إلى الرؤية الاقتصادية المتماسكة أو تتشابك مع اعتبارات سياسية وبيروقراطية.

الرهان على الأحداث الكبرى: حل مؤقت؟

صحيح أن المملكة تراهن على الفعاليات الدولية الكبرى (الألعاب الآسيوية، إكسبو، كأس العالم) لإنعاش قطاعي البنية التحتية والسياحة، إلا أن هذه الفعاليات لا تصنع اقتصادات مستدامة، بل قد تؤدي إلى تضخيم الفقاعة إذا لم تُواكبها إصلاحات اقتصادية حقيقية تعيد التوازن بين الطموح والإمكانات.

عندما تصبح “رؤية 2030” بحاجة إلى إعادة نظر

ما تعيشه السعودية اليوم لا يمكن فصله عن المنطق السياسي-الاقتصادي الذي تتبناه القيادة الحالية: مشاريع عملاقة، استثمارات ضخمة، انفتاح ثقافي واجتماعي، لكن دون منظومة شفافة للمحاسبة أو مساءلة للإنفاق.

تحتاج السعودية في هذه المرحلة إلى وقفة نقد ذاتي شجاع: مراجعة المشاريع، تقويم الإنفاق، إعادة الاعتبار للاقتصاد الحقيقي القائم على الإنتاج لا على الإنشاءات، وعلى الكفاءات لا على الهالة الإعلامية.

الطريق إلى “رؤية 2030” يجب أن يُعاد تعبيده بالواقعية، لا بالأحلام وحدها.