في الوقت الذي ترتجف فيه المؤشرات الاقتصادية تحت وطأة ديون متراكمة وأزمات هيكلية خانقة، تعود الأموال الإماراتية إلى الأسواق المصرية، لا كاستثمارات تقليدية، بل كأخطبوط يتحرك بإستراتيجية واضحة لابتلاع قطاع الطاقة، الشريان الأكثر حساسية لأمن واستقرار 109 ملايين مصري.

هذه الطفرة المفاجئة في الاستحواذات تثير مخاوف حقيقية من تحول النقد الأجنبي الإماراتي إلى أداة لفرض النفوذ، والسيطرة على القرار السيادي، ورهن أصول الدولة الإستراتيجية مقابل سيولة مؤقتة.

الغاز في قبضة أدنوك وقضم حقول المتوسط وحقل ظهر

لم يعد الأمر مجرد تكهنات، فالأسبوع الماضي شهد صفقتين من العيار الثقيل كشفتا عن عمق التغلغل الإماراتي، حيث تمثلت الأولى في واجهة جديدة تُدعى “أركيوس إنرجي”، والتي تأسست نهاية عام 2024 وتتبع ذراع الاستثمار الدولي لشركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك”، حيث انقضت على خمسة امتيازات بحرية رئيسية للغاز الطبيعي في البحر المتوسط كانت مملوكة لشركة “بي بي” ($BP$) البريطانية.

ومن خلال هذه الحركة، وضعت أبوظبي يدها على امتياز شمال دمياط كاملاً بإنتاج يصل إلى 450 مليون قدم مكعب يومياً، بالإضافة إلى الاستحواذ على حصة قدرها 10% في امتياز شروق البحري الذي يضم حقل ظهر الاستراتيجي بإنتاج يبلغ 1.2 مليار قدم مكعب يومياً، بجانب السيطرة على نصف امتياز شمال الفيروز ونصف امتياز بيلاتريكس ومنطقة شمال الطابية، مع فتح باب التفاوض لقضم امتياز شمال الإسكندرية بالكامل.

لغز جبل الزيت وبيع المستقبل لشراء الكهرباء بالدولار

أما الصفقة الثانية، والأكثر استفزازاً للشارع المصري، فكانت استحواذ شركة “ألكازار إنرجي” الإماراتية على حق تشغيل وإدارة وتطوير مجمع رياح جبل الزيت لمدة 25 عاماً مقابل 420 مليون دولار فقط، والمفارقة الصادمة هنا تكمن في الأرقام، فالمحطة التي تعد الأكبر في إفريقيا تم إنشاؤها عام 2018 بقروض دولية عامة بلغت حوالي 580 مليون دولار، ما يعادل 12 مليار جنيه وقت الإنشاء بتمويل ألماني وياباني وإسباني.

والأزمة لا تقف عند حدود البيع بأقل من كلفة الإنشاء التاريخية، بل في شروط التعاقد المجحفة التي تُجبر الدولة على شراء كامل الطاقة المولدة من المحطة بسعر 3 سنت لكل كيلووات/ساعة، على أن يُسدد الجزء الأكبر منها بالدولار والعملة الصعبة طوال ربع قرن. هذا التناقض الصارخ دفع مراقبين للتأكيد على أن الحكومة تبيع أصولها لتسديد ديونها، ثم تعود لتستنزف خزانتها بالدولار لشراء الكهرباء من المستثمر الجديد، خاصة بعد إقرار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بأن عوائد الصفقة ستوجه بالكامل لوزارة المالية لخفض الدين الخارجي.

أخطبوط الاحتكار المطلق وتوقيت قنص الأصول

التحركات الإماراتية لا تترك مكاناً للمصادفة، فشركة “ألكازار إنرجي” باتت تهيمن على مفاصل طاقة المستقبل في مصر عبر حزمة مشروعات تلتهم القطاع، بدءاً من مشروع نيات البري لإنشاء مزرعة رياح على قناة السويس بقدرة 500 ميجاوات، مرواً بمشروع الزعفرانة العملاق في البحر الأحمر بتكلفة 2.5 مليار دولار لإنتاج 3.1 غيغاوات بنظام البناء والتملك والتشغيل ($BOO$) والبيع للدولة بالدولار، وصولاً إلى الاستحواذ كأكبر مساهم في مجمع بنبان للطاقة الشمسية بأسوان ومزرعة خليج السويس الثانية، بالتزامن مع إعلان “دراغون أويل” الإماراتية ضخ ملياري دولار في قطاع النفط التقليدي.

وتوقيت هذه الصفقات يرتبط مباشرة بالمشهد الجيوسياسي، فبينما تعيش المنطقة تحت وطأة تصعيد الصراع الإقليمي وتصاعد التوترات حول إيران، وتعثر خطة الطروحات الحكومية المصرية وتأجيل طرح بنك القاهرة، تستغل أبوظبي حاجة القاهرة الملحة للسيولة لفرض شروطها التفاوضية وقنص الأصول بأبخس الأثمان لتتحول الطاقة من ملف اقتصادي إلى أداة نفوذ سياسي مباشر.

سيناريو الإفلاس بكاميرات حديثة

ويرى خبراء ومحللون أن إدارة الأصول الإستراتيجية بهذه الطريقة تعني التضحية بالأمن القومي على المدى الطويل، فسياسة بيع الوقت مقابل السيولة وتسييل الأصول المنتجة لا تحل الأزمة بل تؤجلها وتضخمها، والتخوف الحقيقي اليوم هو أن تستيقظ مصر غداً لتجد نفسها مكبلة بديون جديدة، وفي الوقت ذاته مجردة من سيادتها ومواردها وأراضيها لصالح قوى إقليمية وظفت ثرواتها للاستحواذ على القرار ومقدرات الدولة، ليعيد التاريخ إنتاج مشهد إفلاس الدولة العثمانية ووقوعها تحت الوصاية الأجنبية، ولكن هذه المرة بأدوات مالية حديثة تضمن التبعية المطلقة.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين