في تصعيد أممي جديد ضد الفظائع المرتكبة في إقليم دارفور، دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أمس الجمعة، إلى فتح تحقيق “مستقل وشفاف وسريع” في المجازر والانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت بمدينة الفاشر ومحيطها بولاية شمال دارفور غربي السودان، منذ سيطرة قوات الدعم السريع عليها، وسط تصاعد الاتهامات للنظام الإماراتي بتمويل وتسليح هذه المليشيا التي تُتهم بارتكاب جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية.

 

فظائع دامية وشهادات صادمة

وقال المتحدث باسم المفوضية سيف ماغانغو، خلال مؤتمر صحفي من جنيف، إن الأمم المتحدة تلقت تقارير ميدانية موثوقة عن “فظائع مروّعة” ارتكبتها قوات الدعم السريع منذ هجومها على الفاشر في 23 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، شملت “عمليات قتل جماعي واغتصاب ونهب واسع النطاق، واعتداءات على العاملين في المجال الإنساني”.

وأشار ماغانغو إلى أن عدد القتلى من المدنيين والمصابين “قد يصل إلى المئات”، مستندًا إلى صور ومقاطع فيديو حصلت عليها المفوضية، تُظهر مشاهد صادمة لجثث مدنيين في الشوارع وأحياء أُحرقت بالكامل. كما تحدث عن تقارير تؤكد استهداف المستشفى السعودي ومراكز صحية أخرى في المدينة، مما أدى إلى توقف الخدمات الطبية تمامًا.

وأضاف أن شهودًا أفادوا بتعرض ما لا يقل عن 25 امرأة للاغتصاب الجماعي داخل مأوى للنازحين قرب جامعة الفاشر، مما أجبر نحو 100 أسرة على الفرار تحت وابل من إطلاق النار، مؤكدًا أن هذه الجرائم “قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب بموجب القانون الدولي”.

إقرار بالتجاوزات ومحاولات للتنصل

ورغم إقرار قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) بوقوع “تجاوزات محدودة”، وتعهده بتشكيل لجان تحقيق داخلية، شددت الأمم المتحدة على أن هذه الخطوة غير كافية، مؤكدة أن “مسؤولية التحقيق تقع على عاتق السلطات السودانية”، وأن أي عملية تحقيق يجب أن تكون “مستقلة تمامًا وشفافة وخاضعة لرقابة دولية”.

ويرى مراقبون أن تصريحات حميدتي تأتي في إطار محاولة تلميع الصورة أمام المجتمع الدولي بعد تصاعد الضغوط عليه، خاصة عقب إدانات مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن تقارير المنظمات الحقوقية التي حمّلته المسؤولية الكاملة عن المجازر في دارفور.

إمارات الدم.. تمويل خارجي وراء المذابح

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات الأممية للتحقيق، تتزايد الأدلة التي تُشير إلى تورط دولة الإمارات العربية المتحدة في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع، عبر إرسال شحنات أسلحة ومعدات عسكرية إلى غرب السودان تحت غطاء “مساعدات إنسانية”، وفق تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومؤسسات بحثية مستقلة.

فقد كشفت تقارير لموقع بلينغكات ومجموعة خبراء الأمم المتحدة بشأن السودان أن طائرات شحن إماراتية هبطت مرارًا في مطار أم جرس التشادي خلال الأشهر الماضية، محمّلة بصناديق أسلحة نُقلت لاحقًا إلى قوات الدعم السريع في دارفور. كما أكد المجلس العربي في بيان سابق أن الإمارات “تدعم بشكل مباشر آلة القتل في دارفور، وتموّل عمليات الإبادة والتطهير العرقي التي تنفذها المليشيات ضد المدنيين”.

وتتهم منظمات حقوقية النظام الإماراتي بالسعي لتحويل دارفور إلى منطقة نفوذ اقتصادي وعسكري عبر قوات حميدتي، لضمان السيطرة على مناجم الذهب ومسارات التجارة العابرة للصحراء، مستغلاً حالة الفوضى التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل/نيسان 2023.

كارثة إنسانية تتفاقم وصمت دولي مريب

وفي موازاة الدعوات للتحقيق، حذرت الأمم المتحدة من تدهور كارثي للأوضاع الإنسانية في الفاشر، التي يعيش فيها مئات الآلاف من المدنيين تحت الحصار منذ نحو 500 يوم. وقال مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إن السكان “تركوا بلا غذاء أو ماء أو مستلزمات أساسية للبقاء على قيد الحياة”، بينما فرت نحو 36 ألف عائلة من المدينة خلال الأيام الأخيرة باتجاه منطقة طويلة، التي كانت تؤوي أصلاً أكثر من 650 ألف نازح.

وأكد المكتب أن فرق الإغاثة عاجزة عن الوصول إلى المناطق المنكوبة بسبب القتال العنيف، مشيرًا إلى تعرض مخازن الأمم المتحدة للنهب، وتدمير شاحنات تحمل مساعدات غذائية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي. وقال بيان المكتب إن ما يحدث في الفاشر “يمثل انهيارًا كاملاً للنظام الإنساني، وجرس إنذار للعالم”.

موقف مجلس الأمن وتحذيرات من تقسيم السودان

وفي السياق ذاته، أدان مجلس الأمن الدولي الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع على الفاشر، مطالبًا بوقف فوري للقتال، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية وتوفير ممرات آمنة للمدنيين. كما شدد على رفض إقامة “هياكل حكم موازية” في المناطق التي تسيطر عليها المليشيا، في إشارة إلى مساعي حميدتي لتقسيم السودان فعليًا إلى منطقتي نفوذ.

ويحذر محللون من أن استمرار التواطؤ الدولي، وصمت الدول الداعمة للدعم السريع وعلى رأسها الإمارات، سيؤدي إلى ترسيخ واقع التقسيم، وتحويل دارفور إلى إقليم شبه مستقل خاضع لنفوذ حميدتي وشبكة مصالحه الإقليمية.

ختامًا: مجازر تحتاج إلى عدالة لا بيانات

تؤكد الدعوة الأممية الأخيرة أن ما يحدث في دارفور لم يعد مجرد حرب داخلية، بل مأساة إنسانية مدفوعة بتدخلات خارجية قذرة، على رأسها تمويل الإمارات لقوات الدعم السريع. ومع كل يوم يمرّ دون تحقيق مستقل ومحاسبة للمتورطين، تترسخ قناعة السودانيين بأن المجتمع الدولي يكتفي بإصدار البيانات بينما تُرتكب الجرائم على الأرض بلا رادع.

ويبقى السؤال الحاسم: هل يتحرك العالم أخيرًا لإنقاذ دارفور، أم يواصل صمته الذي يغطي على إجرام ممول من أبوظبي؟

اقرأ أيضًا : سموتريتش يشعل الضفة.. 2000 مستوطنة جديدة تُغلق أبواب الدولة الفلسطينية