رغم توقف أصوات الانفجارات وخفوت لهب النيران بعد اتفاق وقف إطلاق النار، فإن المشهد في قطاع غزة لا يوحي بأي سلام حقيقي. فالقوات الإسرائيلية واصلت، خلال الأيام الستة الماضية فقط، ارتكاب 36 انتهاكًا لوقف إطلاق النار، وفقًا لبيانات رسمية من غزة، لتؤكد أن الحرب لم تضع أوزارها فعليًا، بل استبدلت القصف العسكري بسياسة العقاب الجماعي والتجويع والحصار.
في المدن المدمرة، يحاول آلاف الفلسطينيين العودة إلى منازلهم، لكنهم لا يجدون سوى ركام يسدّ الأفق، وجثث مدفونة تحت الإسمنت والحديد. مشاهد الخراب دفعت الأمم المتحدة إلى وصف الوضع في غزة بأنه “دمار لا يستوعبه عقل“، مؤكدة أن الحرب الإسرائيلية خلفت ما يُعادل 70 مليون طن من الركام ودمّرت البنية التحتية المدنية بالكامل، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والطرقات وشبكات المياه والكهرباء.

أنقاض فوق أنقاض.. و20 ألف قنبلة لم تنفجر
بحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن ما خلّفته الحرب يمكن وصفه بـ”أكبر كارثة إنسانية وإنشائية في التاريخ المعاصر”. فالمشهد الميداني يضم أكثر من 20 ألف جسم متفجر لم ينفجر بعد، من قنابل وصواريخ وقذائف ألقتها إسرائيل على المناطق السكنية. هذه المتفجرات المطمورة تحت الأنقاض تمثل خطرًا داهمًا على المدنيين وفرق الإغاثة، وتعيق عمليات الإنقاذ وانتشال الجثامين.
كما حذّرت وكالة الأونروا من أن الإبادة الإسرائيلية دمّرت معظم الأراضي الزراعية في القطاع، ما تسبب في انهيار الأمن الغذائي ودمار شامل لسبل العيش. ووفق تقرير بيئي نشرته صحيفة إندبندنت البريطانية، فإن 80% من الأراضي الزراعية في غزة تضررت بالكامل، ما يعني أن سكان القطاع، البالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة، باتوا يعتمدون على المساعدات الخارجية للبقاء على قيد الحياة.
ومع إغلاق المعابر ومنع إدخال المعدات الثقيلة، باتت عمليات إزالة الركام مستحيلة تقريبًا، بينما يهدد وجود المتفجرات غير المنفجرة حياة آلاف العاملين في الميدان، ويجعل من كل خطوة فوق الركام مغامرة قد تنتهي بكارثة.
خانيونس.. السلة الغذائية تحولت إلى مقبرة
كانت مدينة خانيونس تُعرف قبل الحرب بأنها السلة الغذائية لقطاع غزة، إذ كانت تغطي معظم احتياجات السكان الزراعية. لكن الاحتلال دمّرها بنسبة تفوق 85% خلال عامين من الحرب، وفق تصريحات صائب اللقان، الناطق الإعلامي لبلدية خانيونس.
ويقول اللقان إن المدينة، التي تمثل ثلث مساحة القطاع (110 كيلومترات مربعة)، تحولت إلى مدينة أشباح: المنازل والطرقات والمرافق العامة والآبار جميعها دُمرت. تم تدمير 36 بئر مياه من أصل 44، و4 خزانات رئيسية بسعة 120 ألف متر مكعب، ما تسبب في أزمة مياه غير مسبوقة.
وفي ظل انقطاع الكهرباء ونقص الوقود، تراكمت 400 ألف طن من النفايات في شوارع المدينة، ما خلق بيئة خصبة للأوبئة. كما تضررت شبكات الصرف الصحي والطرق بشكل شبه كامل، ومع اقتراب فصل الشتاء، يواجه مئات الآلاف خطر الغرق في المناطق المنخفضة التي يسكنها النازحون.
يؤكد اللقان أن البلدية عاجزة تمامًا عن التعامل مع هذا الواقع، بعدما خرجت معظم معداتها الثقيلة عن الخدمة بسبب القصف، داعيًا المجتمع الدولي إلى التدخل الفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتحول خانيونس إلى منطقة غير صالحة للحياة.
مؤتمر “ويلتون بارك”: إعادة الإعمار ستكلف عشرات المليارات
في لندن، خلص مؤتمر “ويلتون بارك”، الذي شاركت فيه بريطانيا ومصر وفلسطين، إلى أن إعادة إعمار غزة ستكون “واحدة من أكثر المهام تعقيدًا في العصر الحديث”. وأشار البيان الختامي إلى أن عملية الإعمار ستتطلب عشرات المليارات من الدولارات، مع ضرورة إشراك القطاع الخاص وتوفير دعم دولي منسق.
وأكد المشاركون أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق دون التعافي الاقتصادي وإعادة بناء ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية. غير أن هذا المسار يصطدم بواقع سياسي مرير، إذ تواصل إسرائيل عرقلة دخول مواد البناء والمعدات الثقيلة، وتفرض قيودًا خانقة على المعابر، ما يجعل الحديث عن الإعمار ضربًا من الخيال في المدى المنظور.
كارثة إنسانية مستمرة وأجيال بلا مأوى
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 301 ألف منزل تضرر في القطاع، بينها 148 ألفاً دُمّرت كلياً و153 ألفاً جزئياً، تاركة 288 ألف أسرة بلا مأوى. كما خرج 22 مستشفى عن الخدمة بشكل كامل، فيما تعمل 14 مستشفى فقط جزئيًا تحت ظروف قاسية.
وتقدّر المنظمة أن إزالة الأنقاض وحدها ستحتاج إلى 3–5 سنوات في حال تم السماح بدخول المعدات ووفاء الدول المانحة بتعهداتها. أما 170 ألف طن من النفايات الصلبة المتراكمة قرب المخيمات المؤقتة، فتهدد بانتشار الأوبئة والمكاره الصحية، في ظل غياب كامل للبنية التحتية الطبية والبيئية.
ويقول خبراء الأمم المتحدة إن إعادة إعمار غزة تتطلب 50 مليار دولار على الأقل خلال عقد كامل، تشمل إعادة بناء المساكن والبنى التحتية والخدمات العامة، إلى جانب تحفيز الاقتصاد المحلي وإعادة تأهيل القطاعات الحيوية.
خاتمة: دمار ممنهج يرقى لجريمة إبادة
تكشف هذه الأرقام أن ما جرى في غزة لم يكن مجرد حرب عسكرية، بل جريمة إبادة ممنهجة استهدفت الإنسان والحجر والشجر، وجعلت من غزة رمزًا للمعاناة الجماعية في القرن الحادي والعشرين. وبينما تكتفي الأمم المتحدة بالتحذير من “دمار لا يستوعبه عقل”، فإن الواقع اليوم يصرخ بأن الاحتلال الإسرائيلي دمّر مقومات الحياة نفسها في القطاع، تاركًا خلفه شعبًا يبحث عن مأوى في وطنٍ تحول إلى أطلال.
اقرأ أيضًا : الرياض وأبوظبي تهددان بإفشال خطة ترامب لإعمار غزة: “لن نمول ما دامت حماس مسلّحة”