كشفت الأمم المتحدة عن تصاعد خطير في سياسة التهجير القسري التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، مؤكدة أن أكثر من ألف فلسطيني تم تهجيرهم منذ مطلع العام الجاري من المنطقة “ج”، التي تشكل نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة. هذه الأرقام، وفق مراقبين، لا تعكس مجرد “إجراءات إدارية”، بل سياسة إجرامية ممنهجة تستهدف تفريغ الأرض من سكانها الأصليين لصالح التوسع الاستيطاني.

وقال فرحان حق، نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، خلال مؤتمر صحافي، إن عمليات التهجير جاءت نتيجة هدم منازل الفلسطينيين بحجة عدم امتلاكهم تراخيص بناء إسرائيلية، في منطقة تحتكر فيها إسرائيل سلطة التخطيط والبناء بشكل شبه كامل، ما يحرم الفلسطينيين من أبسط حقوقهم السكنية.

“التراخيص” ذريعة قانونية لتهجير قسري

أوضح المسؤول الأممي أن حصول الفلسطينيين على تراخيص بناء في المنطقة “ج” يُعد “شبه مستحيل”، وهو ما يحوّل ذريعة “البناء غير المرخص” إلى أداة قمع وتهجير منظم. ولفت إلى أن مستوى التهجير المسجل منذ بداية العام الجاري يُعد ثاني أعلى معدل سنوي منذ عام 2009، ما يعكس تصعيدًا متعمدًا في سياسة الهدم والطرد.

وتشير معطيات رسمية ومنظمات حقوقية إلى أن الاحتلال يمنع الفلسطينيين ليس فقط من البناء، بل حتى من استصلاح الأراضي أو العمل الزراعي، في إطار سياسة خنق اقتصادي واجتماعي تهدف إلى دفع السكان قسرًا نحو الرحيل.

المنطقة (ج): قلب المشروع الاستيطاني

تعود جذور هذه السياسات إلى اتفاقية “أوسلو 2” عام 1995، التي قسّمت الضفة الغربية إلى مناطق “أ” و”ب” و”ج”. ورغم أن التقسيم كان يفترض أن يكون مؤقتًا، فإن إسرائيل حولت المنطقة “ج” إلى مجال حيوي لمشروعها الاستيطاني، مع إبقاء الفلسطينيين تحت سيطرة أمنية وإدارية خانقة.

وبينما يُمنع الفلسطيني من بناء غرفة إضافية، تُمنح المستوطنات الإسرائيلية مساحات شاسعة للتوسع، مع بنية تحتية متكاملة وحماية عسكرية مباشرة، في مشهد يجسد نظام فصل وتمييز واضح المعالم.

19 مستوطنة جديدة… تكريس للجريمة

في خطوة تؤكد الطابع المنهجي لهذه السياسات، صادق “الكابينيت” الإسرائيلي مؤخرًا على إقامة 19 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية المحتلة، في واحدة من أكبر عمليات التوسع الاستيطاني خلال السنوات الأخيرة. وتشمل هذه الخطوة مستوطنات أُخليت سابقًا ضمن خطة “فك الارتباط” عام 2005، ما يعكس استخفاف الاحتلال بأي التزامات سياسية سابقة.

وبحسب الاقتراح المشترك الذي قدمه وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس ووزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، فإن القائمة تضم مستوطنات مثل “غنيم” و”كديم”، إلى جانب مواقع استيطانية أخرى في مراحل متقدمة من البناء، في مؤشر على أن القرار ترجمة فعلية لمشروع ضم زاحف.

تصاعد العنف في ظل حرب غزة

يتزامن هذا التوسع الاستيطاني مع تصاعد غير مسبوق في اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية، بالتوازي مع حرب الإبادة التي شنها الاحتلال على قطاع غزة. ومنذ اندلاع الحرب، تحولت الضفة إلى ساحة مفتوحة للقمع، شملت اقتحامات واعتقالات جماعية، واعتداءات جسدية، وإعدامات ميدانية، إضافة إلى هدم المنازل وتجريف الأراضي.

توثيق فلسطيني لسياسة الهدم

ووثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، 46 عملية هدم طالت 76 منشأة فلسطينية، إضافة إلى توزيع 51 إخطارًا جديدًا بالهدم في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، ما يؤكد أن سياسة الهدم ليست استثنائية، بل نهجًا ثابتًا ضمن مخطط تهجير واسع.

جريمة مستمرة وصمت دولي

يرى خبراء في القانون الدولي أن ما يجري في المنطقة “ج” يرقى إلى جريمة تهجير قسري، محظورة بموجب اتفاقيات جنيف، وتشكل انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان. ومع ذلك، يواصل الاحتلال سياساته وسط عجز دولي يكتفي ببيانات القلق دون إجراءات رادعة.

في المحصلة، تكشف معطيات الأمم المتحدة أن الاحتلال يمارس سياسة إجرامية منظمة تستهدف الأرض والإنسان معًا. تهجير أكثر من ألف فلسطيني خلال أشهر قليلة ليس مجرد رقم، بل دليل على مشروع اقتلاع استعماري متواصل، يُنفذ على مرأى العالم، في ظل صمت دولي يرقى إلى التواطؤ.

اقرأ أيضًا : 13 شهيدًا في غزة بسبب البرد والمنخفض الجوي «بيرون» وسط حصار إسرائيلي خانق