في تطور لافت على الساحة السورية، أعلنت وزارة الداخلية في الحكومة الجديدة اعتقال آصف رفعت سالم، أحد أبرز قيادات “لواء درع الوطن” التابع سابقًا لرجل الأعمال والمجرم المعروف رامي مخلوف، وأحد أبرز الشخصيات المتورطة في تصنيع البراميل المتفجرة التي دمّرت المدن السورية خلال حقبة بشار الأسد.

العملية التي نفذتها أجهزة الأمن في محافظة اللاذقية تأتي ضمن سلسلة خطوات تُظهر أن مرحلة ما بعد الأسد تسير نحو نوع من العدالة الانتقالية، ولو جاءت متأخرة.

وبحسب البيان الرسمي، فإن المعتقل لعب دورًا مركزيًا في قصف الزبداني ومضايا، وهما من أكثر المناطق التي شهدت معاناة إنسانية مروعة خلال سنوات الحرب، إذ حاصرتهما القوات التابعة للنظام سنوات طويلة قبل أن تدمرهما البراميل المتفجرة التي يُقال إن سالم شارك في تصنيعها.

البراميل المتفجرة: سلاح الفقراء وسفاح المدن

لبراميل المتفجرة، التي ارتبطت باسم بشار الأسد أكثر من أي سلاح آخر، كانت أحد رموز القمع الدموي خلال الثورة السورية.

فهي سلاح عشوائي بامتياز، يعتمد على إلقاء براميل من المتفجرات، تحتوي عادة على TNT ومواد حارقة ومسامير وشظايا، من طائرات مروحية على أحياء مدنية، دون توجيه أو تمييز. 

وقد استخدمها النظام على نطاق واسع في مناطق الغوطة الشرقية، وحلب، ودرعا، والزبداني ومضايا، ما أسفر عن دمار شامل وتهجير عشرات الآلاف.

ويُعد آصف رفعت سالم، بحسب التحقيقات الأولية، من مهندسي هذه البراميل، إذ أشرف على عمليات التصنيع في ورشات بدائية داخل معسكرات “لواء درع الوطن”، والتي كانت تتلقى تمويلاً مباشراً من رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد وأحد أعمدة النظام المالية.

الزبداني ومضايا.. مدن الجوع والدمار

الزبداني ومضايا، الواقعتان غرب العاصمة دمشق، كانتا شاهدتين على واحدة من أسوأ صور الحصار والتجويع خلال الحرب السورية.

منذ عام 2015، فرض النظام السوري ومليشيات “حزب الله” حصارًا خانقًا على المدينتين، قطع خلاله الغذاء والدواء والكهرباء والماء، ما دفع بعض المدنيين لأكل أوراق الشجر.

في تلك الفترة، كانت البراميل المتفجرة تُلقى بشكل شبه يومي، مما تسبب في هدم المنازل على رؤوس ساكنيها. 

وقد وثقت منظمات حقوقية، بينها “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”، أن الغارات الجوية العشوائية بالبراميل تمثل “جريمة حرب” وجريمة ضد الإنسانية.

وبحسب مصادر أمنية، فإن آصف سالم أقرّ خلال التحقيقات الأولية بمشاركته في تنسيق عمليات القصف وتقديم الدعم اللوجستي للقوات الجوية، عبر توفير البراميل وتجهيزها في اللاذقية، ثم نقلها إلى مطارات المزة والضمير والسين، حيث كانت تُحمَّل على الطائرات المروحية.

موجة ملاحقات غير مسبوقة: العدالة على أبواب الجلادين

تأتي هذه الخطوة ضمن موجة من الاعتقالات التي تطال فلول النظام السابق، خصوصًا بعد الإعلان عن تشكيل “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” بموجب مرسوم رئاسي من الرئيس أحمد الشرع، الذي وعد في خطاب القسم نهاية 2024 بأن “الدماء لن تضيع” وأن سوريا “لن تبنى على الإفلات من العقاب”.

وفي هذا السياق، أعلنت قوى الأمن السوري، الخميس الماضي، إلقاء القبض على خمسة من مرتكبي مجزرة الحولة التي راح ضحيتها أكثر من 100 مدني في ريف حمص عام 2012، من بينهم عشرات الأطفال الذين قُتلوا طعنًا وذبحًا، بحسب تقارير الأمم المتحدة.

ويُنظر إلى هذه التحركات على أنها خطوة أولى في طريق طويل لاستعادة الثقة بين الشعب السوري ومؤسسات الدولة، خصوصًا بعد عقود من الإفلات من العقاب وتغوّل أجهزة الأمن. 

غير أن التحدي الأساسي يكمن في مدى قدرة الدولة على مقاضاة الجناة الحقيقيين، لاسيما من يتواجدون خارج البلاد، أو من لا تزال لهم شبكات نفوذ عميقة داخل مؤسسات الدولة نفسها.

العدالة الانتقالية.. مجرد واجهة أم مشروع وطني؟

رغم أن إنشاء “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” يُعد تطورًا مهمًا في المشهد السوري، إلا أن العديد من الناشطين الحقوقيين والمراقبين أعربوا عن خشيتهم من أن تكون هذه الخطوة رمزية أكثر منها فعلية، وأن تقتصر على “الجلادين الصغار”، بينما يظل “أمراء الحرب” وكبار الضباط والمسؤولين بمنأى عن المحاسبة.

ويؤكد ناشطون أن أي مشروع حقيقي للعدالة لا بد أن يتضمن فتح ملفات السجون السرية، ومراكز الاعتقال، ومحاسبة كبار المسؤولين عن التعذيب والإخفاء القسري، وليس فقط المتورطين في تصنيع البراميل أو تنفيذ المجازر.

خاتمة: ذاكرة لا تموت.. وشعب يطالب بالحساب

ما حدث في الزبداني ومضايا، وما جرى في الحولة والغوطة، لن يُمحى بسهولة من ذاكرة السوريين. وإن كان النظام قد سقط، فإن آثاره ما تزال حاضرة في أجساد الضحايا وخراب المدن المدمّرة، اعتقال آصف رفعت سالم، رغم أهميته، ليس سوى بداية في مسار طويل نحو العدالة.

اقرأ أيضًا : ترامب يعاقب هارفارد.. سلاح الهجرة بوجه الجامعات المتضامنة مع فلسطين