في خطوة تُظهر حجم التوتر القائم على الجبهة الجنوبية للبنان، أعلن الأمن العام اللبناني توقيف عدد من المشتبه بهم في إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، وهو الحدث الذي أعقبه قصف إسرائيلي عنيف على الضاحية الجنوبية لبيروت وعدد من بلدات الجنوب.
وبينما سارعت إسرائيل للرد، نأت المقاومة اللبنانية بنفسها عن العملية، ما فتح الباب لتساؤلات حول الجهة المسؤولة، وأعاد النقاش حول ضعف الدولة اللبنانية وتخبطها بين الضغوط الخارجية وواقع الاحتلال الإسرائيلي المستمر.

أمن مضطرب وسيادة مهدورة
البيان الصادر عن المديرية العامة للأمن العام اللبناني أشار إلى أن التوقيفات تمت تحت إشراف القضاء المختص، ضمن تحقيقات تهدف إلى تحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين.
اللافت أن الأمن اللبناني شدد على “تكثيف العمليات الاستخبارية” في الجنوب، في إشارة ضمنية إلى محاولته استباق أية عمليات تصعيدية مستقبلية، وذلك رغم اختلال موازين الردع بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي.
غير أن هذه التحركات الأمنية، بدل أن تكرّس صورة الدولة القوية، كشفت عن إرباك رسمي واضح، في ظل استمرار انتهاك إسرائيل للسيادة اللبنانية.
فإسرائيل، التي تشن منذ أشهر غارات متفرقة في الجنوب بذريعة استهداف مواقع لحزب الله، وسّعت مؤخراً عملياتها لتطال الضاحية الجنوبية، حيث النفوذ الأقوى للحزب، وأسفرت ضرباتها الأخيرة عن سقوط ضحايا مدنيين بينهم أطفال، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة إسرائيلية لدفع لبنان نحو مزيد من التفكك الداخلي.
وفي الوقت الذي أعلنت فيه الدولة اللبنانية فتح تحقيق، وأكد الرئيس جوزيف عون أن حزب الله ليس مسؤولاً عن إطلاق الصواريخ الأخيرة، يبقى السؤال: من يقف فعلاً خلفها؟ وهل تسعى إسرائيل لاختلاق ذريعة جديدة لضرب المقاومة؟ أم أن أطرافاً غير معلنة تحاول إشعال فتيل مواجهة جديدة ضمن لعبة إقليمية أكبر؟
الحكومة اللبنانية: بين ضغط الاحتلال ووصاية الإمارات
ردة فعل الدولة اللبنانية لم تقف عند حدود التحقيق، بل امتدت إلى تحركات أمنية عاجلة اعتبرها البعض انصياعاً لضغوط خارجية.
فالإسراع في توقيف مشتبه بهم دون تحديد الجهة الفعلية المسؤولة قد يُفهم على أنه محاولة لاسترضاء الاحتلال الإسرائيلي، خصوصاً أن توقيت العملية جاء عقب تهديدات إسرائيلية بإعادة القصف إن لم تتحرك السلطات اللبنانية.
ما يعزز هذه القراءة هو التاريخ القريب للحكومة اللبنانية في التعامل مع ملفات حساسة، ومنها موقفها الخاضع بالكامل لضغوط الإمارات في قضية الداعية يوسف القرضاوي حين تم منع جنازته الرسمية ودفنه بهدوء في مخالفة لرغبة كثير من اللبنانيين، استجابة لمطالب أبوظبي.
هذا النموذج من الانصياع يتكرر اليوم، ولكن بصيغة أمنية تهدد السلم الداخلي وتضعف الثقة بالمؤسسات.
في المقابل، لا تزال إسرائيل تحتل خمس تلال لبنانية رئيسية، ولم تنفذ انسحابها الكامل وفق اتفاق وقف إطلاق النار المبرم برعاية أميركية في نوفمبر 2024. بل ذهبت أبعد من ذلك، بإنشاء شريط حدودي بعمق يتراوح بين كيلومترين إلى ثلاثة داخل الأراضي اللبنانية، وسط صمت رسمي مريب، وتجاهل واضح للمادة السيادية الأولى في الدستور اللبناني.
لبنان بين احتلال خارجي وتصدع داخلي
ما حدث في الأيام الأخيرة ليس مجرد حادثة أمنية عابرة، بل يمثل فصلاً جديداً في مسلسل الاستنزاف الإسرائيلي للبنان، بمباركة ضمنية من قوى دولية وإقليمية، وصمت رسمي لبناني يبدو وكأنه رضوخ دائم.
توقيف المشتبه بهم في إطلاق الصواريخ، رغم نفي حزب الله، قد يتحول إلى ورقة تُستخدم ضد المقاومة في مرحلة قادمة، خاصة إذا استمر التعاطي الأمني دون إطار سياسي يحفظ السيادة ويواجه الاحتلال.
في ظل حكومة ضعيفة مشتتة الإرادة، ومجتمع دولي غير مكترث بانتهاكات الاحتلال يبقى المواطن اللبناني هو الضحية الأولى والأخيرة، بين صواريخ مجهولة، وردود إسرائيلية دموية، وتواطؤ داخلي لا يخفي انحيازه لأجندات لا تمت للسيادة الوطنية بأي صلة.
اقرأ أيضًا : أكسفورد توجه صفعة للاحتلال: سحب استثمارات تاريخي دعماً لفلسطين واستجابةً لجرائم الحرب في غزة