بقلم: محمود توفيق
في لحظة مفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية، وفي ظل استمرار المجازر الإسرائيلية في قطاع غزة منذ أشهر، تشتعل الميادين والغضب الشعبي في مختلف أرجاء العالم العربي والإسلامي. ومع تصاعد وتيرة الوحشية، تتعالى الدعوات الشعبية والدينية والنقابية إلى تنفيذ إضراب شامل يوم الإثنين المقبل، نصرة لغزة وأهلها، وتعبيرًا عن حالة الرفض العارم للعدوان، وللتواطؤ والصمت الإقليمي والدولي.
الإضراب الشعبي.. أداة مقاومة من نوع مختلف
الإضراب الشعبي لم يعد مجرّد وسيلة احتجاجية هامشية، بل تحوّل إلى سلاح معنوي جماعي قادر على إيصال رسالة قوية إلى كل من يعنيه الأمر، مفادها أن الشعوب لا تموت، وأن القضية لا تزال حية في القلوب، رغم محاولات التشويه والتيئيس.
في السنوات الأخيرة، نجحت حركات الإضراب في فرض مشهد إعلامي مختلف، وفي إعادة توجيه البوصلة نحو فلسطين، حتى من قلب العواصم البعيدة. واليوم، تأتي دعوات الإضراب في لحظة اشتداد الحصار والمأساة الإنسانية في غزة، لتجدد العهد وتُسقِط كل محاولات التجاهل.
الإثنين المقبل يتزامن مع مرور أشهر طويلة على العدوان المتواصل، وقد بات واضحًا أن الاحتلال يراهن على الإرهاق النفسي والتعوّد، ليُمرر ما تبقى من مخططاته في التهجير والتدمير. وهنا، يأتي الرد من الشعوب: لن نعتاد الموت، ولن نصمت على الإبادة.
دول الطوق.. الموقع الجغرافي لا يُغفر الصمت
عندما نتحدث عن “دول الطوق” – أي الدول المحيطة بفلسطين المحتلة، وعلى رأسها مصر والأردن ولبنان وسوريا – فإننا نتحدث عن خنادق الجوار الأولى، وعن شعوب تتحمل مسؤولية أكبر في مواجهة العدوان، بحكم القرب الجغرافي والتاريخ المشترك.
مصر:
منذ اندلاع العدوان، تتصاعد الأصوات المطالبة بفتح معبر رفح بشكل دائم، دون قيود سياسية أو تفاهمات مشروطة. الشعب المصري، الذي طالما احتضن القضية الفلسطينية، يعيش حالة من التناقض بين الموقف الرسمي الحذر، والموقف الشعبي الغاضب والمندفع نحو نصرة غزة. النقابات المهنية، وطلاب الجامعات، وحتى بعض رجال الدين، دخلوا على خط التحشيد للإضراب، داعين إلى خطوات أكثر جرأة.
الأردن:
يُعتبر الأردن من أكثر الدول التي شهدت تحركات شعبية منذ بداية العدوان، حيث امتلأت شوارع عمان والكرك وإربد بمظاهرات ليلية ويومية مطالبة بقطع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي، وطرد السفير، ووقف التنسيق الأمني. كما نشطت حملات دعم الإضراب في المدارس والجامعات، تأكيدًا على أن الأردن لن يقبل أن يكون مجرد متفرج.
لبنان وسوريا:
ورغم الظروف السياسية والأمنية المعقدة، إلا أن الحركات الشبابية والنقابية في لبنان وسوريا تسعى بدورها إلى تنظيم فعاليات تضامنية تتماشى مع دعوة الإضراب، وتحاول كسر جدار الصمت الإعلامي من خلال الاعتصامات والتظاهرات أمام السفارات والمقرات الدولية.
دور المسلمين عالميًا.. أكثر من “تضامن إلكتروني”
مع تزايد الحملات الإلكترونية الداعمة لغزة، بدأت أصوات ترتفع محذرة من الاكتفاء بالعاطفة الرقمية، والدعوة إلى تحركات فعلية ملموسة، تشمل:
-
مقاطعة اقتصادية جادة للكيانات والشركات الداعمة للاحتلال.
-
ضغط سياسي وشعبي على الحكومات لاتخاذ مواقف أكثر وضوحًا.
-
دعم مالي مباشر للهيئات الإغاثية العاملة في غزة.
-
التحرك القانوني لمحاسبة قادة الاحتلال عبر المحاكم الدولية.
الوجدان الإسلامي لن يُشفى بالتغريدات فقط. غزة اليوم تحتاج إلى أفعال تُكلف، إلى مواقف تُحرج المتخاذلين، وإلى تضحيات تُعيد تعريف المروءة والشرف في زمن المساومة.
الإضراب ليس النهاية… بل البداية
إضراب يوم الإثنين قد لا يوقف الحرب، لكنه سيُعيد إشعال الوعي، وسيوجّه البوصلة نحو القضية المركزية. هو صوت شعبي عابر للحدود، يجتمع فيه الصائمون في رمضان، والمكلومون في الشتات، والطلاب في المدارس، والعاملون في المصانع، ليقولوا بصوت واحد: غزة ليست وحدها.
الشعوب هي الأمل الأخير
في زمن تطبّع فيه الرسميون، وتورّطت فيه بعض العواصم مع العدو، تبقى الشعوب الإسلامية والعربية هي الخندق الأخير. ويوم الإثنين ليس إلا بداية لمسار طويل من الصمود والمواجهة… حتى يُرفع الحصار، ويُحاسب القاتل، وتُستعاد الأرض والمقدسات.