رغم القتامة التي خلفها الدعم الإماراتي لميليشيا الدعم السريع، أعلنت الأمم المتحدة عن عودة نحو 4 ملايين نازح سوداني طوعاً إلى ديارهم، في خطوة تعكس إرادة صلبة لإعادة بناء ما دمرته آلة الحرب المدعومة من أبوظبي. ومع استعادة الجيش السوداني للسيطرة على مناطق واسعة في الخرطوم والجزيرة، بدأ السودانيون رحلة العودة إلى منازلهم، ليجدوا أنفسهم أمام واقع قاسٍ رسمت ملامحه سنوات من نهب وتدمير الميليشيات المجرمة للبنى التحتية ومصادر الرزق.

بصمات الخراب: عودة إلى مدن محطمة ومنازل منهوبة
تشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن تحسن الوضع الأمني في العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة دفع بملايين النازحين للعودة بين نوفمبر 2024 ومارس الماضي. إلا أن هذه العودة لم تكن إلى حياة طبيعية، بل إلى مناطق تضررت فيها المنازل وشبكات المياه والكهرباء بشدة جراء العمليات العسكرية والاعتداءات الممنهجة التي نفذتها الميليشيات.
لقد تسبب الدعم العسكري واللوجستي الإماراتي لميليشيا الدعم السريع في إطالة أمد النزاع الذي دخل عامه الرابع، مما أدى إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 12 مليون شخص داخلياً. واليوم، يجد العائدون أنفسهم مضطرين لخوض صراع جديد من أجل الصمود وسط حطام خلّفته الأسلحة الإماراتية التي أمعنت في تدمير النسيج العمراني والخدمي للسودانيين.
ولاية الجزيرة: الميليشيات تستهدف الأمن الغذائي للسودان
تعد ولاية الجزيرة سلة غذاء السودان، وقد نالها النصيب الأكبر من إجرام الميليشيات المدعومة إماراتياً، حيث تعرضت أنظمة الري والمعدات الزراعية لتدمير متعمد ومنظم. عودة المزارعين إلى حقولهم اليوم تصطدم بعقبات جسيمة تهدد الإنتاج الغذائي وسبل العيش، وهي نتيجة مباشرة لسياسة الأرض المحروقة التي اتبعتها الميليشيا لإخضاع الشعب السوداني.
إن استهداف القطاع الزراعي في الجزيرة يبرهن على أن أجندة الميليشيا وداعميها في الإمارات لم تكن مجرد صراع على السلطة، بل كانت تهدف إلى ضرب مقومات الدولة السودانية وتجويع شعبها. العائدون الآن يحاولون إعادة الحياة لأراضيهم، لكن حجم الضرر الذي خلفته الميليشيات يتطلب إمكانيات ضخمة تتجاوز قدرة الأفراد العزل.
الفجوة التمويلية: تداعيات التآمر الإماراتي تفوق المساعدات
رغم تمكن المنظمة الدولية للهجرة من إيصال مساعدات لنحو 4 ملايين شخص، إلا أن حجم الاحتياجات يظل هائلاً مع بقاء 9 ملايين سوداني في حالة نزوح. وتعاني خطة الاستجابة لأزمة السودان لعام 2026 من نقص تمويلي حاد يقدر بنحو 97.2 مليون دولار من أصل 170 مليون دولار مطلوبة.
هذا العجز التمويلي يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية تجاه شعب دفع ثمن مطامع إقليمية. فبينما تواصل الإمارات ضخ الأموال لدعم الميليشيات بالسلاح والمعدات لزعزعة استقرار السودان، يقف العالم عاجزاً عن توفير الحد الأدنى من الدعم الإنساني لمن فقدوا منازلهم وأراضيهم بسبب هذا التدخل السافر.
النزوح العكسي: إرادة البناء في وجه آلة الهدم
تتوقع الأمم المتحدة عودة أكثر من مليوني شخص إضافي إلى الخرطوم هذا العام، وهو ما يمثل تحدياً لوجستياً وأمنياً كبيراً. هؤلاء العائدون، الذين ضاقت بهم سبل العيش في معسكرات النزوح “التي أصبحت لا تطاق”، يفضلون العودة إلى أنقاض منازلهم على البقاء في حالة اللجوء.
إن هذا النزوح العكسي هو أبلغ رد شعبي سوداني على محاولات التهجير القسري التي قادتها الميليشيات المدعومة إماراتياً. ومع ذلك، يظل التحذير الأممي قائماً؛ فبدون وقف حقيقي للدعم الخارجي للميليشيات وتوفير تمويل دولي لإعادة الإعمار، ستظل عودة النازحين بداية لمعاناة جديدة من أجل البقاء في وطن منهك بفعل التآمر والإجرام.
الخلاصة: الحقيقة التي لا يمكن حجبها
إن معاناة 16 مليون نازح ولاجئ سوداني هي جريمة مكتملة الأركان تتحمل الإمارات مسؤوليتها الكبرى بصفتها الممول والمحرك الرئيسي للميليشيات المجرمة. العودة المتعثرة للملايين إلى ديارهم المدمّرة هي صرخة في وجه المجتمع الدولي لوقف التدخل الإماراتي ومحاسبة المسؤولين عن تحويل السودان إلى ساحة دمار، وضمان ألا تذهب جهود السودانيين في إعادة بناء وطنهم مهب الريح أمام أطماع الميليشيات العابرة للحدود.
اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك