في تطوّر سياسي لافت يعكس حجم الصراع الإقليمي على الإسلام السياسي، رفضت جماعة الإخوان المسلمين، الأربعاء، الأمر التنفيذي الذي أصدره البيت الأبيض بشأن النظر في تصنيف الجماعة “إرهابية”، متهمةً الإمارات و”إسرائيل” بممارسة ضغوط مكثّفة على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدفعها نحو هذه الخطوة. وجاء هذا الموقف في بيان مطوّل عبّرت فيه الجماعة عن استغرابها من هذا التحرك الأمريكي “المفاجئ” الذي وصفته بأنه سياسي بامتياز، وبعيد تمامًا عن المعايير القانونية والأمنية المتعارف عليها.

الإمارات و”إسرائيل”.. شبكة ضغط تستهدف الإسلام السياسي

تؤكد جماعة الإخوان المسلمين أن ما جرى في واشنطن ليس انعكاسًا لسياسة أمريكية داخلية، بل نتيجة مباشرة لضغوط خارجية مارستها -بحسب البيان- “دولة الإمارات العربية المتحدة و’إسرائيل’”، اللتان تنظران إلى تيارات الإسلام السياسي بوصفها خصمًا وجوديًا يجب القضاء عليه.
وقالت الجماعة إن “الحقائق لم تتغير، لكن مستوى الضغط الخارجي هو الذي تغيّر”، مشيرةً إلى أن الإمارات تقود منذ أعوام حملة دولية لتجريم الإسلام السياسي وإعادة رسم الخريطة السياسية في المنطقة بما يخدم نفوذها ونفوذ الاحتلال الإسرائيلي.

واعتبر البيان أن هذا التوجّه الأمريكي يمثل انتصارًا لنفوذ اللوبيات الخارجية التي تعمل -وفق تعبيره– على “تصدير معاركها السياسية المحلية وإقحام الولايات المتحدة في صراعات لا علاقة لها بمصالح الشعب الأمريكي”. كما رأت الجماعة أن هذه السياسة تتناقض مع شعار “أمريكا أولاً” الذي رفعه ترامب، لكنها “تنحاز فعلياً إلى مصالح أنظمة خارجية تحاول تصفية خصومها السياسيين تحت غطاء الحرب على الإرهاب”.

الإخوان: القرار بلا أساس قانوني والتنظيمات مستقلة لا مركزية

وشدد البيان على أن الأمر التنفيذي الأمريكي “يفتقر إلى أي أساس قانوني أو أمني”، مؤكدا أن جماعة الإخوان المسلمين لا تعمل من خلال فروع تنظيمية موحدة كما يروج خصومها، بل تتواجد في عدة دول ضمن كيانات مستقلة تتخذ قراراتها وفق قوانين البلدان التي تعمل فيها، وتشترك فقط في مبادئ فكرية عامة.
وأضافت الجماعة أن الحركات المشار إليها في قرار ترامب “لها تاريخ طويل في المشاركة السلمية الاجتماعية والسياسية، والتزام واضح بالعمليات الديمقراطية”، مستشهدة بتجربة الحكم في مصر بعد ثورة يناير، حين جاء الحزب المنبثق عنها إلى السلطة عبر أول انتخابات حرّة قبل أن تتم الإطاحة به بانقلاب عسكري دموي خلّف أكثر من ألف ضحية.

مخاطر واسعة على الاستقرار الإقليمي والأمن القومي الأمريكي

ووفق البيان، فإن المضي في تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية يشكل “سابقة خطيرة”، لأنه لا يستند إلى أدلة فعلية، ولأنه سيفتح الباب أمام أنظمة سلطوية في المنطقة لتبرير القمع والعقاب الجماعي ضد الملايين من المنخرطين في العمل السياسي والاجتماعي والدعوي السلمي.
وتحذر الجماعة من أن القرار لا يخدم الاستقرار الإقليمي بأي شكل، بل “يقوّض الأمن القومي الأمريكي نفسه”، لأنه يكرّس قراءة أحادية للصراعات في الشرق الأوسط تتبناها أبو ظبي وتل أبيب، وتدفع نحو مزيد من الاحتقان السياسي والديني.

كما حذرت من أن هذا التصنيف -إن نُفّذ- سيمنح غطاءً دولياً للقمع السياسي الذي تمارسه بعض الأنظمة، خصوصاً تلك التي تقدّم نفسها لواشنطن كحائط صد في مواجهة الإسلام السياسي، في حين أنها -بحسب البيان– مرتبطة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وملفات فساد وسوء إدارة يصعب تجاهلها.

“لسنا موجودين في أمريكا”.. ومحاولة الربط بنا تزوير مقصود

ونفت الجماعة وجود أي نشاط تنظيمي أو مالي أو تشغيلي لها داخل الولايات المتحدة، مؤكدة أن أي محاولة لربطها بمنظمات أمريكية ذات طابع ديني أو خيري تمثل “تشويهًا متعمّدًا يهدف لضرب المسلمين الأمريكيين المنخرطين في العمل المدني المشروع”.
وقالت إنها مستعدة “للتعاون بشفافية مع الإدارة الأمريكية” إذا رغبت واشنطن في “الالتزام بالقانون والإنصاف”، لكنها لن تتردد في استخدام كل الوسائل القانونية للطعن على القرار الذي وصفته بأنه “بلا أساس من الصحة”.

دعوة لإلغاء القرار وتأكيد الالتزام بالعمل السلمي

واختتمت الجماعة بيانها بالتأكيد على تمسّكها بالعمل السلمي والديمقراطي، والدعوة إلى إلغاء الأمر التنفيذي بشكل كامل، معتبرة أن حل الخلافات السياسية في المنطقة لا يمكن أن يمر عبر “شيطنة” تيارات كاملة من المجتمع أو عبر الاستجابة لضغوط أنظمة تشن حربًا مفتوحة على الإسلام السياسي، مثل الإمارات التي باتت -وفق تعبير البيان– “تتعامل مع أي تعبير عن الإسلام السياسي باعتباره تهديدًا يجب استئصاله”.

ويكشف الموقف الأخير حجم التوتر القائم بين جماعة الإخوان والإمارات منذ سنوات، وهو توتر يتجاوز الساحة المصرية ليصل إلى مستويات إقليمية ودولية، الأمر الذي يجعل أي خطوة أمريكية في هذا الاتجاه جزءًا من معركة سياسية أشمل تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع التأثيرات الإقليمية واللوبيات الدولية.

اقرأ أيضًا : تصاعد المعارك في كردفان.. ومسيّرات الدعم السريع تستهدف الأُبيّض وسط اتهامات لإجرام بن زايد بإطالة الحرب