أعادت محكمة الاستئناف في تونس فتح ملف استقلال القضاء والحريات العامة، بعد قرارها الإفراج عن القاضي المعزول مراد المسعودي، عقب نحو ستة أشهر من السجن، على خلفية قضية تتعلق بشبهة تزوير تزكيات خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2024.

القرار، الذي جاء بعد قبول اعتراضه على الحكم الغيابي الصادر بحقه، اعتبره مراقبون خطوة متأخرة لتصحيح مسار قضائي شابه كثير من الجدل، في ظل مناخ سياسي يتسم بتضييق متزايد على المعارضين والمؤسسات المستقلة.

وفي تصريح خاص أكد محامي الدفاع سمير بن عمر أن المحكمة قررت الإبقاء على موكله بحالة سراح، وتأجيل النظر في القضية إلى جلسة لاحقة، ما يعني عمليًا الإفراج الفوري عنه، بعد أشهر من الاحتجاز.

من الترشح للرئاسة إلى الزنازين

لم يكن مراد المسعودي شخصية هامشية في المشهد القضائي أو السياسي، بل برز بوصفه رئيسًا لجمعية القضاة الشبان، وأحد الأصوات المنتقدة لمسار السلطة منذ قرارات 25 تموز/يوليو 2021.

ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2024 مثّل محاولة لكسر احتكار المشهد السياسي، لكنه سرعان ما تحوّل إلى عبء قانوني عليه، بعد توجيه تهم تتعلق بجمع التزكيات بطرق غير قانونية.

وفي آب/أغسطس 2025، تم توقيفه رسميًا، استنادًا إلى حكم غيابي بسجنه ثمانية أشهر، رغم طعنه فيه. واعتبر محاموه آنذاك أن القضية ذات طابع سياسي أكثر منها قانوني، هدفها ردع كل من يحاول الخروج عن الخط الرسمي للسلطة.

العزل الجماعي للقضاة… بداية الأزمة

تعود جذور قضية المسعودي إلى عام 2022، حين أصدرت السلطة التنفيذية مرسومًا بعزل 57 قاضيًا دفعة واحدة، بدعوى الفساد والتآمر على الدولة. وكان المسعودي من بين المعزولين، رغم عدم صدور أحكام نهائية تدين معظمهم.

ورغم صدور قرار استعجالي من المحكمة الإدارية بإيقاف تنفيذ العزل، تجاهلت السلطات الحكم، واستمرت في فرض قراراتها، في سابقة اعتبرها خبراء القانون ضربة مباشرة لمبدأ الفصل بين السلطات.

كما تجاهلت الحكومة أمرًا صادرًا عن المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان في تشرين الأول/أكتوبر 2024، يطالب بإعادة القضاة المعزولين، ما عزز الاتهامات بتعمد تقويض المنظومة القضائية.

قضاء تحت الضغط السياسي

يُنظر إلى قضية المسعودي باعتبارها نموذجًا لما آل إليه القضاء في ظل حكم الرئيس قيس سعيد، حيث باتت النيابة العامة، وفق منتقدين، أكثر قربًا من السلطة التنفيذية، وأقل استقلالًا في قراراتها.

منذ 2021، شهدت تونس تغييرات عميقة في تركيبة المؤسسات، شملت حل البرلمان، وتعليق أجزاء من الدستور، وإعادة هندسة السلطة القضائية، ما خلق بيئة تسمح باستخدام القضاء كأداة للضغط السياسي.

وتشير تقارير حقوقية محلية ودولية إلى تزايد القضايا المرفوعة ضد صحفيين ونشطاء وقضاة ومعارضين، تحت عناوين فضفاضة مثل “التآمر” و”المساس بالأمن العام”، في ظل محاكمات تفتقر أحيانًا لمعايير الشفافية.

الإفراج… خطوة تصحيح أم مناورة سياسية؟

يرى مراقبون أن الإفراج عن المسعودي لا يعني بالضرورة تحسنًا حقيقيًا في وضع القضاء، بقدر ما قد يكون محاولة لامتصاص الضغوط الداخلية والخارجية، خاصة مع تزايد الانتقادات الدولية لسجل الحريات في البلاد.

فالقضية لم تُغلق بعد، ولا يزال المسعودي يواجه محاكمة مؤجلة، ما يضعه تحت ضغط دائم، ويحد من قدرته على ممارسة أي دور عام أو مهني بحرية كاملة.

كما أن عشرات القضاة المعزولين ما زالوا خارج مناصبهم، دون إنصاف فعلي، ما يعكس استمرار الأزمة البنيوية داخل المنظومة القضائية.

قمع ممنهج وإعادة تشكيل المجال العام

في سياق أوسع، تندرج قضية المسعودي ضمن سياسة عامة تهدف إلى إعادة ضبط المجال العام، وتقليص هامش المعارضة، وإضعاف مراكز القوة المستقلة، سواء كانت أحزابًا، أو نقابات، أو مؤسسات قضائية.

فمنذ سنوات، تواجه الشخصيات المنتقدة للسلطة حملات تشويه، وملاحقات قضائية، ومنعًا من الظهور الإعلامي، في إطار ما يصفه معارضون بـ”العودة الناعمة إلى الحكم الفردي”.

ويرى محللون أن استهداف القضاة تحديدًا يحمل رسالة مزدوجة: إخضاع السلطة القضائية من جهة، وتخويف بقية الفاعلين السياسيين من جهة أخرى.

أزمة ثقة ومستقبل غامض

يعكس الإفراج عن مراد المسعودي حجم التوتر بين القانون والسياسة في تونس، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل العدالة واستقلال المؤسسات.

فبينما يمثل القرار بارقة أمل مؤقتة لعائلته وأنصاره، فإنه لا يبدد المخاوف العميقة بشأن مسار الحريات، ولا يعالج جذور الأزمة.

وفي ظل غياب إصلاحات حقيقية، واستمرار تغوّل السلطة التنفيذية، تبقى قضايا مثل قضية المسعودي مرشحة للتكرار، ما يهدد بتآكل الثقة الشعبية في الدولة، ويضع التجربة التونسية أمام اختبار تاريخي صعب بين دولة القانون ومنطق القمع.

اقرأ أيضًا : تدوينة غامضة بعد شائعات الوفاة تفتح باب التساؤلات حول وفاة بن زايد