نشرت منظمة The Sentry تقريرًا مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2025 كشفت فيه تفاصيل دقيقة عن الكيفية التي تحولت بها قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) من ميليشيا عسكرية إلى مجمع صناعي-عسكري يملك شبكة اقتصادية مترامية الأطراف. كما فضح التقرير الدور المحوري لدولة الإمارات، وتحديدًا دبي، بوصفها مركزًا أساسيًا لتأسيس شركات واجهة استخدمت في تجارة الذهب، تحويل الأموال، شراء المعدات، وتوفير غطاء اقتصادي لأنشطة الدعم السريع.
التقرير كشف كذلك الرجال الواقفين خلف الستار، الفكرة بسيطة وصادمة في آن: ذهب صراعي يُهرَّب من غرب السودان، يعبر إلى الإمارات، يتحول إلى سيولة عبر شركات واجهة في دبي، ثم يعود في صورة عتاد ومشتريات وخدمات تمكّن قوات الدعم السريع (RSF) من الاستمرار. على قمة هذا الهرم يقف محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الذي تفاخر عام 2019 بأنه أودع مليار دولار في البنك المركزي السوداني، بعد سنوات من تثبيت اليد على جبل عامر و«اقتصاد الكرتة» (إعادة معالجة مخلفات التعدين) وضرائب الفاعلين المحليين. ومع اشتعال الحرب في 2023، ضاقت قاعدة الأعمال، وازداد الاعتماد على الذهب، وصعدت أهمية «المركبات» التجارية والمصرفية التي تُحوّل المعدن الخام إلى عملة صعبة.
داخل هذا المشهد، يضع التقرير عدسته على خمسة رجال؛ ليسوا بالضرورة الأكثر شهرة، لكنهم الأكثر التصاقًا بالمعاملات الفعلية: تأسيس شركات، نقل ملكيات، شحنات سيارات وإطارات وأحذية عسكرية، تصميم أوراق ضغط سياسي، وفتح حسابات مصرفية تحوي «ملايين الدولارات». عبر هؤلاء الخمسة يتضح كيف تعمل الشبكة، وكيف تتبدّل الواجهات حين تنكشف، وكيف تتنقل الملكيات بين أسماء «مرشّحة» وأخرى تنفيذية، وكيف تكمل الشركات بعضها بعضاً: من الاستشارات، إلى اللوجستيات، إلى تجارة المعادن الثمينة، إلى البنوك.
أبوذر حبيب—الذي يظهر في الوثائق بأسماء متنوعة (Abozer/Abu Dharr)—هو الوجه الذي آلت إليه ملكية مجموعة Capital Tap مطلع 2024، بعد أن كانت بيد رجل الأعمال الإماراتي ناصر الحمادي منذ 2021. قبل انتقال الملكية، كان حبيب موظفاً متوسط الرتبة «يرتب التأشيرات»، ثم صار المالك المعلن لعدة كيانات تحت مظلة Capital Tap. بعد عام واحد فقط، في يناير 2025، عاقبت وزارة الخزانة الأمريكية حبيب وCapital Tap وست شركات إماراتية إضافية متهمة بأن المجموعة «قدمت أموالًا ومعدات عسكرية» لقوات الدعم السريع. في خلفية هذا الاتهام دليل صغير لكنه كاشف: جدول مسرّب لحسابات RSF يذكر دفع 10,000 دولار لشخص باسم “Abozer” في 2019. حين تواصلت The Sentry مع حبيب، رفض التعليق واكتفى بالقول إن المسألة قيد الإجراءات القانونية. على خط موازٍ، يظهر اسم حبيب في شركات ذهبية بدبي إلى جوار أسماء أخرى: Blaze Gold وGlow Gold (أُسِّستا في المبنى نفسه الذي يضم شركة Creative Python التابعة للمجموعة)، ومع توالي التسريبات والقرارات أُغلقت الشركتان في يناير 2025، لكن الرسالة الأهم للتقرير كانت: حتى حين تُقفل الواجهات، يبقى الأشخاص، ومن يعرف الأسماء يستطيع أن يتتبع الواجهات الجديدة إن ظهرت.
يتقدّم مازن قمر الدين محمد فضل الله خطوة أخرى داخل «غرفة المحركات». هذا الرجل كان جزءاً أصيلاً من فريق مشتريات RSF في 2019: عبر واجهة اسمها Tradive General Trading، اشترى ما يقرب من 200 بيك أب تويوتا لاندكروزر تُحوّلها الميليشيا إلى «تقنيّات» صحراوية مسلحة. توجد شيكات موقّعة باسمه، وتذكر كشوف RSF المسرّبة مدفوعات إليه في مطلع 2019 بوصفها «حوافز»، مع إشارة إلى «مبالغ خاصة» سلّمها لشخص يبدو ذا صلة قرابة بقيادة حميدتي. لم يكن فضل الله مجرد «مشتريات سيارات». في «جناح الذهب»، أسس عام 2021 شركة Mamlaket Kush Jewellery Trading قرب مطار دبي، بملكية 49% له و51% لـعيسى المري—على الأرجح كـ«مرشّح». انتهت رخصة الشركة في 2023، لكن فضل الله ظل خيطًا متصلاً في شبكة أوسع: Natwest Logistics (لوجستيات وتخليص) التي استُضيف موقعها على الخادم نفسه الذي استضاف مواقع GSK وTradive وAl Jil Alqadem—وفي وقت من الأوقات موقع RSF ذاته—وهي علامة تقنية قوية على تشابك البنية الخلفية. قبيل اندلاع الحرب مباشرة، صدّرت Natwest مئات الإطارات وقطع الغيار إلى GSK Advanced Business في الخرطوم. فضل الله لم يرد على استفسارات The Sentry، لكن أثره المادي—من الشيكات إلى الشحنات—يتكلم.
على مستوى «العقل المدبّر للإطار المؤسسي»، يبرز ناصر هلال عبد الله هلال الحمادي. هذا ليس «مرشّحاً» يضع اسمه ثم ينسحب؛ بل مديرٌ مباشر لمجموعة Capital Tap حين كانت تُعرف باسمَي Creative Python (استشارات) وMINS General Trading (تجارة برسيم/أعلاف)، قبل أن يُعاد تجميعها تحت مظلة Capital Tap. توسعت الشركات سريعاً حتى وظّفت قرابة 40 شخصاً: محللون ماليون، مدراء مشاريع، مدراء استثمار. قدّمت المجموعة دعم إدارة مشاريع لمصنع صمغ عربي ومجزر، وساعدت شبكة اتصالات جديدة في جنوب السودان. الأكثر حساسية هو ما ظهر في أرشيف موقع Creative Python عام 2022: إشارة صريحة إلى «العمل مع جهات حكومية في إفريقيا لتأسيس قنوات اتصالات مُشفّرة للاستخدام العسكري». ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، تكشف بيانات ميتاداتا في ورقة إحاطة صاغتها RSF لبرلمانيين بريطانيين أنها صُمّمت في Capital Tap؛ برّرت RSF ذلك لاحقاً بأنه «تصميم مجّاني لصديق قريب». في ممر جانبي موازٍ، امتلك الهامدي Natwest Logistics لفترة، فيما آلت إليه ملكية Horizon Advanced Solutions في مايو 2022؛ وخلال أواخر 2022 ومطلع 2023 استوردت Horizon آلاف الأحذية—منها أحذية صحراوية—ثم شَحَنت حمولة غير محددة إلى GSK مع بداية الحرب؛ وبعد انتقال ملكية Horizon إلى حبيب في 2024، عاقبتها الخزانة الأمريكية تحت المالك الجديد. الهامدي لم يعلق على أسئلة The Sentry، لكن خريطة الملكيات وتواريخ الشحنات و«الميتاداتا» كلها تقود إلى نتيجة واحدة: Capital Tap لم تكن مجرد استشارات.
ينقلنا ذلك إلى أحمد هاشم حمد البشير، وهو مدير في GSK Advanced Business بحسب سجلات الشركات. في 2020، تأسست Aoun Commercial Brokers بملكية ثلاثية: هاشم (24%)، فضل الله (25%)، المري (51%). خلال الأشهر الأربعة السابقة مباشرة لاندلاع الحرب في أبريل 2023، باعت Aoun إطارات وقطع غيار إلى GSK Advanced Business. إلى جانب ذلك، يملك هاشم متجر أثاث منزلي في رواندا، يكشف تتبّع الاستضافة الرقمية أنه كان على خادم GSK أيضاً، في إشارة أخرى لتشابك البنية. حين خوطب، نفى هاشم كونه مالكًا لـGSK Advanced Business، وقال إنه مدير لشركة GSK Contracting المستقلة، وإن الشركة عملت قبل الحرب مع RSF والقوات المسلحة السودانية بوصفهما جهتين رسميتين، وإنه لا يذكر معاملات مباشرة مع GSK Advanced Business، مؤكداً «ينفي بشكل قاطع أن يكون واجهة لِـRSF». على الورق، تبقى هيكلية Aoun—ونوعية مبيعاتها قبل الحرب مباشرة—تفصيلاً لا يمكن القفز فوقه.
أمّا عيسى محمد راشد سيف المري فهو «المُضاعِف» الناعم للشبكة: مالك/مدير في أكثر من 90 شركة، يظهر اسمه بانتظام كـ«مرشّح» لزبائن متنوعين. لكن في هذه القصة بالذات، امتلك Tradive وAZ Gold في مراحل حساسة. بالنسبة إلى AZ Gold—المشهورة باسم Al Zumoroud & Al Yaqoot Gold & Jewellers Trading—فالقضية أشد خطورة: الخزانة الأمريكية وصفتها عام 2025 بأنها «شركة شراء ذهب في الإمارات تُدار بواسطة أبوذر» وأنها «اشترت ذهبًا من السودان، على الأرجح لصالح RSF، ثم نقلته إلى دبي»، وأن ألغوني دقلو «احتفظ بإمكانية الوصول إلى حساب مصرفي للشركة في الإمارات يحوي ملايين الدولارات». لا يحدد البيان ما إذا كان هذا الوصول دائمًا أم خلال فترة محددة؛ وتلك مسألة شديدة الأهمية لأن ملكية AZ Gold تغيّرت عبر الزمن: مجموعة عيسى المري امتلكتها بالكامل حتى أغسطس 2022، ثم انتقلت إلى سلطان الشامسي، وقبل ذلك وبعده تظهر أسماء وسيطة؛ كما كان الشامسي مالكاً لشركة Horizon قبل انتقالها إلى Capital Tap. هذا التناوب في الملكيات، حين يُقرأ إلى جوار إمكانية وصول ألغوني إلى حسابات بملايين الدولارات، يفتح أسئلة تحقيقية مباشرة: متى بدأ الوصول ومتى انتهى؟ ومن كان مسؤولاً قانونياً عن منحه؟
خارج «الخماسية»، يذكّر التقرير بأن آل دقلو بنوا مجموعة الجنيد منذ 2009 كشبكة متفرعة (ذهب، ماشية، سياحة، مسالخ، إنشاءات)، بقيمة أصول نحو مليار دولار وإيرادات 160–180 مليون دولار في مطلع العشرينيات؛ وأن GSK—التي أسسها ألغوني دقلو عام 2017 (GSK Advanced Business وGSK Contracting وGSK IT وGSK Medical)—بلغ عدد موظفيها بين 100 و150 في إحدى المراحل؛ وأن Tradive كانت «واجهة مشتريات» لسنوات؛ وأن بنك الخليج (الخرطوم) صار قناة تمويل محورية بعد شراء حصص فيه عام 2019. في «جناح الذهب» إلى جانب Mamlaket Kush وAZ Gold، ظهرت Blaze Gold وGlow Gold عام 2022 بملكية حبيب والهامدي قبل أن تنتقل الملكية لاحقاً إلى سليمان عبد العزيز ومضاوي خوجلي ثم تُصفَّى عام 2025؛ كما يطفو اسم S&E Investment في شبكة الصلات؛ وتُظهر الجداول داخل التقرير تتبّعًا دقيقًا لحالة الرخصة لكل شركة (سارية/مغلقة) ولأسماء الملاك السابقين والحاليين، مع ملاحظة وجود أسماء أخرى في الخلفية مثل Harib Jasim Abdalla Rajab Al Ali وIslam Abdalla وShabilal Mayin Veettil، تظهر وتختفي مع تبدّل الواجهات.
كل هذا ليس «سرداً بلا شواهد». الأدلة التي يبني عليها التقرير متعددة الطبقات:
- وثائق بيع وشيكات وإيصالات من موزّع سيارات دبي يقرّ بأن البيع كان لـTradive عام 2019 بتوقيع مازن فضل الله.
- كشف حسابات مسرّب يذكر صراحة دفع 10,000 دولار لشخص باسم Abozer عام 2019، ويصنّف مدفوعات لصالح فضل الله بوصفها «حوافز».
- سجلات شركات إماراتية تُظهر تسلسل الملكيات والتحويلات (انتقال Capital Tap من الهامدي إلى حبيب في يناير 2024؛ انتقال Horizon من الشامسي إلى Capital Tap ثم إلى حبيب؛ انتهاء رخصة Mamlaket Kush؛ هيكلة Aoun بملكياتها الثلاثية؛ امتلاك المري لشركات عديدة بصفته مرشّحاً).
- أدلة تقنية (استضافة/ DNS) تؤكّد أن مواقع Natwest وTradive وAl Jil Alqadem وموقع RSF استقرت على الخادم نفسه مع GSK، وهي قرينة مهمة على وحدة «الغرفة الخلفية».
- سجلات واردات وشحن تُظهر مئات الإطارات وقطع الغيار إلى GSK قبل الحرب مباشرة، وآلاف الأحذية (منها الصحراوية) عبر Horizon أواخر 2022 وبدايات 2023.
- وأخيراً بيانات العقوبات الأمريكية (يونيو 2023، يناير 2024، يناير 2025) والأوروبية (يونيو 2024) والبريطانية (يوليو 2023)، التي لا تُغني عن الأدلة الأخرى، لكنها تمنح وصفًا رسميًّا لطبيعة الاشتباه وطبيعة الروابط.
في المقابل، يسجل التحقيق محاولات نفي أو صمت. أحمد هاشم ينفي أن يكون «واجهة»؛ يقول إنه مدير لـGSK Contracting لا مالك لـGSK Advanced Business؛ يؤكد أن الشركة تعاملت قبل الحرب مع RSF ومع الجيش بوصفهما جهتين رسميتين؛ ولا يذكر معاملات مباشرة مع GSK Advanced Business. حبيب يلوّح بالإجراءات القانونية. الهامدي لا يرد. فضل الله وNatwest لا يجيبان. هذا كله مفهوم في مثل هذه الملفات؛ لكن المواد الملموسة—الشيكات، السجلات، الشحنات، الاستضافة، المراسلات التقنية، وأثر العقوبات—هي التي ترصّ الطوب في جدار الرواية.
ماذا يعني ذلك عملياً؟ أوّلًا، أن الإمارات—وتحديداً دبي—عملت كـ”عقدة تحويل” شركات مجوهرات ومعادن ثمينة تُحوّل ذهب دارفور إلى نقود، ثم شركات لوجستيات تستورد ما تحتاجه الشبكة من إطارات وقطع وأحذية، ثم مظلة استشارية/إدارية تبرّر التحويلات وتعقّد الأثر الورقي. ثانيًا، أن تبدّل الواجهات—من Blaze/Glow إلى غيرهما، من Capital Tap تحت الهامدي إلى Capital Tap تحت حبيب—لا يغيّر الجوهر: الأشخاص أنفسهم يتحركون عبر كيانات مختلفة. ثالثًا، أن الثغرات الزمنية في الملكية والوصول المصرفي—مثل توقيت وصول ألغوني دقلو إلى حساب AZ Gold—ليست تفاصيل هامشية؛ بل مفاتيح مسؤولية قانونية لمنح ذلك الوصول، ومن ثم مسارات تجميد أصول أو توسيع عقوبات لاحقة.
دعا التقرير جهات العقوبات في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة إلى فتح تحقيقات موسّعة في مازن فضل الله وشركاته (خاصة Aoun)، وفي الشركات الناشطة التي يظهر فيها أحمد هاشم أو ناصر الحمادي أو عيسى المري مدراء أو ملاكاً، للتثبت مما إذا كانت RSF تملك سيطرة فعلية عليها أو إن كانت مملوكة/مسيطرًا عليها من أشخاص معاقَبين. كما يوصي المصافي والبنوك برفع مستوى العناية الواجبة حين تتعامل مع ذهب أو تحويلات قادمة من السودان أو شركات ارتبطت بهذه الخماسية، لأن تعطيل الأشخاص—لا مجرد إغلاق الواجهات—هو ما يُفقِد الشبكة قدرتها على التشكل من جديد.
التقرير كان بمثابة الخريطة الأدق المتاحة الآنلما يحدث في السودان من نهب وسرقة وتطهير عرقي بدعم من الإمارات: حميدتي على القمة؛ عبد الرحيم وألغوني يملكان أدوات التنفيذ والتوسّع؛ وفي دبي حبيب وفضل الله والهامدي وهاشم والمري يحركون قطعاً صغيرة وكبيرة—شركات تفتح وتغلق، ملكيات تنتقل، شحنات تمرّ، وحسابات تتخمّر فيها «ملايين الدولارات». وكل ذلك يُظهر، بما لا يدع مجالاً للبس، كيف يتحوّل ذهب دارفور إلى وقودٍ للحرب عبر شبكة رجال وشركات، لا عبر «كيانات» معزولة على الورق.
للاطلاع على التقرير الأصلي كاملًا: اضغط هنا