كشفت إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي أن بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس أوعزا ببدء إنشاء البنية التحتية لمدينة جديدة شرقي رفح، داخل ما يسمى «الخط الأصفر» وتحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، في مشروع يثير مخاوف جدية من إعادة هندسة الوجود الفلسطيني في جنوب قطاع غزة بدل إعادة السكان إلى أحيائهم الأصلية.
وبحسب ما أورده «التلفزيون العربي»، فإن رئاسة الوزراء الإسرائيلية أشارت إلى أن الإمارات ستتولى بناء المدينة الجديدة، بينما تبقى السيطرة الأمنية بيد جيش الاحتلال. كما سيخضع كل فلسطيني للتفتيش قبل السماح له بالدخول، مع الترويج للمدينة باعتبارها منطقة «آمنة وخالية من السلاح».
الإمارات تمول.. وإسرائيل تحدد من يدخل
الأخطر في المشروع هو توزيع الأدوار نفسه: الاحتلال يحدد الموقع، ويرسم الحدود، ويسيطر أمنيًا، بينما تتولى الإمارات عملية البناء.
وهذا يطرح سؤالًا مباشرًا حول طبيعة الدور الإماراتي: هل هو إعادة إعمار غزة لصالح أهلها، أم تمويل نموذج إسرائيلي جديد لإدارة الفلسطينيين داخل مناطق خاضعة للرقابة؟
فإعادة الإعمار الطبيعية تبدأ من حق السكان في العودة إلى منازلهم وأراضيهم وإعادة بناء أحيائهم، لا من إنشاء تجمع جديد يختار الاحتلال موقعه ويقرر من يدخل إليه.
نقل الفلسطينيين بدل إعادتهم إلى رفح
تشير المعلومات إلى أن الفلسطينيين الموجودين في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الاحتلال سينقلون إلى المدينة الجديدة شرقي رفح.
وهنا تكمن خطورة المشروع: بدل إعادة سكان رفح إلى المدينة التي دمرها جيش الاحتلال، يجري إنشاء بيئة عمرانية جديدة تحت شروط أمنية إسرائيلية.
وبذلك يمكن أن يتحول الدمار الذي صنعته الحرب إلى فرصة لإعادة رسم الخريطة السكانية للقطاع، بحيث يصبح الفلسطيني مقيمًا في منطقة اختارها الاحتلال بدل صاحب أرض يعود إلى مدينته الأصلية.
ميليشيات مرتبطة بالاحتلال لإدارة الأمن
وكشف التقرير أيضًا أن إسرائيل طلبت من الإمارات أن يتولى عناصر من المجموعات الفلسطينية المتعاونة مع جيش الاحتلال في غزة عمليات تفتيش الفلسطينيين وإدارة الأمن داخل المدينة الجديدة.
وتضم هذه المجموعات بقايا ميليشيا ياسر أبو شباب ومجموعات أخرى أنشأها الاحتلال ودعمها بالسلاح خلال سنوات الحرب.
وهذا يعني أن المشروع، وفق المعلومات المنشورة، لا يقوم فقط على السيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة، بل يسعى إلى إنشاء إدارة أمنية محلية تعمل تحت مظلة الاحتلال.
«مدينة» أم منطقة عازلة مقنّعة؟
اختيار المنطقة الواقعة داخل «الخط الأصفر» ليس تفصيلًا جغرافيًا بسيطًا. فهذا الخط يحدد مناطق انتشار القوات الإسرائيلية داخل غزة، وقد استخدمه الاحتلال لترسيخ سيطرته على مساحات من القطاع بعد إعادة الانتشار.
ومن ثم فإن بناء تجمع فلسطيني كبير داخل هذه المنطقة قد يمنح الاحتلال نموذجًا جديدًا للمناطق العازلة: فلسطينيون يعيشون داخل مساحة محددة، دخولهم مضبوط، أمنهم تحت الرقابة، بينما تبقى القوات الإسرائيلية صاحبة القرار النهائي.
الإمارات تنتقل من التطبيع إلى خدمة مشروع «اليوم التالي»
إذا نُفذت الخطة بالشكل المعلن، فإن الدور الإماراتي سيتجاوز التطبيع السياسي والاقتصادي مع الاحتلال إلى المشاركة الفعلية في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.
فالمال الإماراتي لن يذهب فقط إلى إزالة الأنقاض أو بناء مساكن، بل إلى مشروع صممته الحكومة الإسرائيلية داخل منطقة يسيطر عليها جيش الاحتلال.
وهنا يصبح السؤال الأخطر: هل أبوظبي تعيد إعمار ما دمرته إسرائيل، أم تمول إسرائيل وهي تعيد تشكيل غزة وفق مصالحها الأمنية؟
الاحتلال يهدم المدينة ثم يختار البديل
رفح التي ستقام المدينة الجديدة إلى شرقها تعرضت لتدمير واسع خلال الحرب. والآن، بدل أن يُرفع الركام ويُعاد أصحاب المنازل إلى أراضيهم، يريد الاحتلال إنشاء تجمع جديد تحت سيطرته.
وهذا يعكس انتقالًا من تدمير المكان إلى التحكم في ما يُبنى بعده.
فالسيطرة الحقيقية لا تعني فقط احتلال الأرض عسكريًا؛ بل أن تحدد أين يسكن الناس، ومن يدخل، ومن يحرسهم، وكيف تدار حياتهم اليومية.
المشهد الذي تكشفه الخطة واضح: إسرائيل تهدم رفح، ثم تختار مكان الفلسطينيين الجديد، وجيشها يحرس المدينة ويفتش سكانها، فيما تتولى الإمارات تمويل البناء. وإذا تحقق ذلك، فلن تكون أبوظبي شريكًا في إعادة إعمار غزة، بل شريكًا في إعادة تشكيلها وفق الخريطة الأمنية التي يريدها الاحتلال.