برزت الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الأخيرة كواحدة من أكثر الدول العربية انخراطًا في القمع العابر للحدود، عبر ممارسات شملت تسليم المعارضين السلميين والمدافعين عن حقوق الإنسان إلى دولهم الأصلية حيث يواجهون التعذيب والاحتجاز التعسفي.
وقد سلطت 15 منظمة حقوقية الضوء على الدور الذي تلعبه الإمارات في تسهيل هذه الانتهاكات، مستغلةً مجلس وزراء الداخلية العرب، الذي يتم الترويج له بشكل مضلل على أنه “الإنتربول العربي”.
يستخدم المجلس صلاحياته لنشر مذكرات التوقيف ضد المعارضين في مختلف الدول الأعضاء، مما يؤدي إلى تسليمهم خارج أي إجراءات قضائية عادلة، وغالبًا ما يكون ذلك انتقامًا لمواقفهم السياسية أو أنشطتهم الحقوقية.
على الرغم من أن اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي تحظر صراحةً عمليات التسليم بدوافع سياسية، إلا أن غياب أي آلية رقابية فعالة جعلها أداة تستخدمها الأنظمة القمعية لاستهداف معارضيها بذرائع أمنية واهية.
وبدلًا من تعزيز التعاون القانوني النزيه، باتت الاتفاقية غطاءً لانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، حيث يتم تسليم الأفراد دون مراعاة لالتزامات الدول بحماية اللاجئين وضمانات عدم الإعادة القسرية.

حالات بارزة من عمليات التسليم القسري
بين عامي 2022 و2025، فقط وثقت منظمات حقوقية عدة حالات تسليم قسري نفذتها الدول العربية بتسهيل من مجلس وزراء الداخلية العرب، وكانت الإمارات في طليعة تلك العمليات. من بين الحالات الأبرز:
- عبد الرحمن القرضاوي: الشاعر المصري التركي الذي تم تسليمه من لبنان إلى الإمارات في يناير 2025 بعد نشره مقطع فيديو ينتقد السلطات المصرية والإماراتية. لا يزال مصيره مجهولًا حتى اليوم.
- سلمان الخالدي: الناشط الكويتي الذي تم تسليمه من العراق إلى الكويت بناءً على مذكرة توقيف صادرة عن مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية، حيث حكم عليه بالسجن وسُحبت منه جنسيته بسبب آرائه المعارضة.
- خلف الرميثي: المعارض الإماراتي البارز الذي سُلِّم قسرًا من الأردن إلى الإمارات في مايو 2023 دون أي إجراءات قانونية، وما زال محتجزًا في ظروف غير معروفة.
- حسن الربيع: المواطن السعودي والذي سُلِّم من المغرب إلى السعودية في فبراير 2023 رغم المخاطر الواضحة على سلامته، حيث يواجه الآن السجن والتعذيب.
- شريف عثمان: الكاتب السياسي المصري-الأمريكي، الذي اعتقلته الإمارات في نوفمبر 2022 بناء على مذكرة اعتقال صادرة عن مجلس العلاقات الأمريكية المصرية. وبعد ضغوط دولية، تمكن من العودة إلى الولايات المتحدة بعد احتجاز دام شهرين.
أما أحمد كامل، المواطن المصري الذي يعيش في السعودية منذ عقد من الزمان، فهو يواجه خطر التسليم الوشيك إلى مصر بسبب نشاطه السلمي خلال ثورة 25 يناير واحتجاجات 2014. إن تم ترحيله، فمن المرجح أن يواجه انتهاكات جسيمة، بما في ذلك التعذيب وسوء المعاملة.
غياب المحاسبة واستمرار الانتهاكات
رغم الإدانات الدولية المتزايدة، لا تزال الدول العربية، وفي مقدمتها الإمارات، تستخدم الآليات القانونية الإقليمية لتبرير عمليات التسليم السياسي. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، من بينها:
- غياب الرقابة الدولية: لا توجد آلية فعالة لمحاسبة مجلس وزراء الداخلية العرب على انتهاكاته.
- عدم الامتثال لمعايير حقوق الإنسان: لا يتضمن الإطار القانوني لمجلس وزراء العدل العرب أي إشارات واضحة إلى التزامات الدول بعدم الإعادة القسرية، كما هو منصوص عليه في المادة 3 من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب.
- استغلال القوانين المحلية: تستخدم الدول تشريعات فضفاضة تخلط بين النشاط السلمي و”الإرهاب”، مما يتيح لها استهداف المعارضين دون أي سند قانوني عادل.
وقد أثار خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة مخاوفهم بشأن هذه الممارسات في رسالة رسمية موجهة إلى جامعة الدول العربية، لكنهم لم يتلقوا أي رد، ولم يتخذ المجلس أي خطوات لإصلاح آلياته.
مطالب حقوقية بإصلاحات جذرية
في ظل استمرار الإمارات ودول أخرى في تنفيذ هذه الانتهاكات الجسيمة، دعت المنظمات الحقوقية إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة، أبرزها:
- وقف جميع عمليات التسليم السياسي فورًا، وضمان عدم استخدام الاتفاقيات القضائية لتصفية الحسابات السياسية.
- إصلاح مجلس وزراء الداخلية العرب بحيث يخضع لمراقبة دولية ويتوافق مع المعايير الأممية لحقوق الإنسان.
- ضمان الشفافية في إصدار مذكرات التوقيف والسماح للمعنيين بالاطلاع على ملفاتهم القانونية والطعن فيها.
- وقف تجريم المعارضة السياسية، وإلغاء القوانين التي تستخدم لاضطهاد النشطاء والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
لا شك أن القمع العابر للحدود بات سمة بارزة للأنظمة الاستبدادية في العالم العربي، ومع تصاعد الضغط الدولي، أصبحت الحاجة إلى إصلاحات جذرية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. ورغم محاولات الإمارات تلميع صورتها عالميًا عبر استثماراتها في الرياضة والثقافة، إلا أن سجلها الحقوقي القاتم يواصل فضحها على الساحة الدولية.
ويبقى السؤال المطروح: هل ستواصل الإمارات وحلفاؤها استخدام الآليات القضائية كأدوات للقمع العابر للحدود، أم أن المجتمع الدولي سيتحرك لكبح جماح هذه الانتهاكات ووضع حد لهذا المسار القمعي؟
اقرأ أيضًا : ما وراء مقابلة الدكتور حسام أبو صفية: كيف تستغل آلة الدعاية الإسرائيلية الأسرى لترويج أكاذيبها؟