في مؤتمر لندن الذي عُقد في منتصف أبريل 2025 لبحث الأزمة السودانية المتصاعدة، لم تكن مشاركة دولة الإمارات مجرد حضور دبلوماسي اعتيادي، بل كانت تجسيدًا لسياسة منهجية تُمارسها أبوظبي في المنطقة منذ أكثر من عقد: سياسة تحريف الحقائق، والتلاعب بالمواقف الدولية، وتمرير مشاريع التدمير الإقليمي تحت قناع “الحياد”، وصراع النفوذ الإقليمي مع السعودية الحليف القديم.

فمنذ متى كانت الإمارات حاملةً لمشروع ديمقراطي؟ هل نحتاج للتذكير أن هذه الدولة ذاتها قادت انقلاب السيسي في مصر، وأجهضت أول تجربة انتخابية حرة؟ أم نذكّر بانقلاب تونس المقنّع، حين دعمت انقلاب قيس سعيد على البرلمان؟ أم تُرى علينا إعادة عرض أشرطة الفوضى في ليبيا واليمن والسودان، حيث كانت أبوظبي الممول الأكبر للفوضى والانقسام والانقلابات؟

ساوت بين الجيش والدعم السريع… وساوت بين الدولة والمجزرة

الموقف الإماراتي الأخير – الذي نطق به لسان دبلوماسيتها لانا نسيبة في لندن – لم يكن فقط مخزيًا، بل كان صادمًا في وقاحته السياسية:

“الجيش السوداني والدعم السريع لا يمثلان الشعب السوداني، ولا يمكن لأي منهما تحقيق الاستقرار”.

أي منطق هذا؟ أي حياد هذا الذي يضع جيش الدولة – بكل ما فيه من نقائص – في كفة واحدة مع مليشيا ارتكبت إبادة جماعية في دارفور؟

نعم، الجيش السوداني انقلب على المسار الانتقالي في 2021، لكن الدعم السريع ارتكب جرائم ضد الإنسانية بشهادة الأمم المتحدة ورفع ضده السودان دعوى إبادة أمام محكمة العدل الدولية، وهي نفس المليشيا التي دعمتها الإمارات سياسيًا وعسكريًا وذهبيًا، والتي تحوّلت من ذراع خارجية لأبوظبي إلى مصدر إحراج دولي بعد أن تكشف عمق الجرائم التي ارتكبتها .

واليوم، بعدما تكشّف المستور، تقف الإمارات أمام المحافل الدولية وتُعلن تبرؤها من الجميع، وتُساوي بين الضحية والجلاد، وبين المؤسسة النظامية التي يُمكن إصلاحها، وبين مليشيا عشائرية بنيت على الدم والتهريب والفساد.

“الديمقراطية” ليست من لغتها… فمن تخدع الإمارات؟

حين تقول الإمارات إنها “تدعم انتقالًا ديمقراطيًا في السودان”، فإن العالم يضحك، والسودانيون يغمغمون بمرارة:

هل نسي النظام الإمارتي أنه نفسها يواجه دعوى رسمية من السودان في محكمة العدل الدولية بتهمة التواطؤ في جرائم إبادة في دارفور؟ وهل نسي أن واشنطن فرضت عقوبات على شركات مقرها الإمارات لأنها تدعم الدعم السريع بالسلاح؟

كل هذا يريد النظام الإماراتي مسحه بجملة واحدة في لندن؟ كل هذا الإثم السياسي يُغطى بـ”بيان حيادي” يُساوي بين الأطراف، ويتحدث عن حكومة مدنية وكأنها مطلب جديد، لا ورقة تلوّح بها أبوظبي حين تخسر أوراقها على الأرض؟

عندما تغيرت موازين القوى… تبرأت الإمارات من عميلها

الواقع أن التحول الإماراتي لم يكن قناعة، بل اضطرارًا. فحين عجز الدعم السريع عن الحسم، وانكشفت المجازر، وتكثفت الضغوط الدولية، اضطرت الإمارات لتغيير خطابها علنًا لتجنب العزلة.

الجيش السوداني – رغم كل ما يُقال عنه – صمد، والدعم السريع – رغم كل ما تلقاه من دعم – خسر، وانكشف، وتحوّل إلى عار سياسي.

ولأن الإمارات لا تخسر بسهولة، اختارت أن تتقمص ثوب “الوسيط الحيادي”، وتدعو فجأة إلى “حكم مدني مستقل” بعيدًا عن الطرفين، وهي الدولة ذاتها التي زرعت الفوضى ودعمت العسكر والانقلابيين في المنطقة من مشرقها إلى مغربها.

النظام الإماراتي يشتري الذهب ويحرق السودان

لا نحتاج لتقارير إضافية لنفهم أن الذهب السوداني هو شريان العلاقة الإماراتية بالدعم السريع، فالإمارات استوردت 99% من ذهب السودان لسنوات، وأغلبه مرّ عبر مسارات يسيطر عليها حميدتي وشركاؤه.

وكانت هذه الأموال هي الوقود الحقيقي للحرب، وللمليشيا، وللمجزرة، ثم حين اشتعلت النار، وقاربت على التهام الجميع، حاولت الإمارات القفز من المركب، والظهور كصاحبة المبادرة الإنسانية.

النظام الإماراتي أفشل كل موقف دولي داعم للسودان

ما حدث في لندن دليل جديد، فشلت الدول المشاركة في إصدار بيان مشترك بسبب اعتراض الإمارات على لغة تُلمّح إلى شرعية الجيش السوداني، وأصرت على موقف متطرف يُنكر على الدولة مؤسساتها، ويضعها على قدم المساواة مع عصابات مجرمة .

وكان من نتائج ذلك أن انهار التوافق العربي في المؤتمر، وخرج دون موقف موحد، لأن الإمارات تصر على أن تفرض رؤيتها الخاصة، ولو على حساب دماء السودانيين، ومصالح جيرانها، ومسار العدالة.

 لا سلام في السودان بوجود من خرب ليبيا واليمن ومصر وتونس

من كان سببًا في انقلاب مصر، وخنق الثورة في تونس، ودعم حفتر في ليبيا، ودمّر اليمن عبر أدوات الحرب والتقسيم، لا يُنتظر منه أن يكون شريكًا في صنع سلام في السودان.

من موّل الدعم السريع، وسوّق له سياسيًا، وفتح له الموانئ والفضائيات، لا يمكنه الآن أن يلبس عباءة الحياد، ويتحدث باسم الشعب السوداني.

الإمارات لا تملك مشروعًا ديمقراطيًا. الإمارات تملك مشروع سيطرة، قمع، وتفتيت، والسودانيون الذين فهموا الدرس، لن يُلدغوا مرتين، فالذي طعنهم بالأمس، لا يمكنه أن يُقدم لهم المصالحة اليوم.