تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة احتفاءها بـ “اليوم العالمي للسعادة”، الذي يصادف 20 مارس من كل عام، مستعرضةً جهودها الرسمية في تعزيز جودة الحياة لمواطنيها والمقيمين على أراضيها.

فمنذ إعلانها عن منصب وزير دولة للسعادة في عام 2016، ركزت أبوظبي على تصدير صورة زاهية عن نفسها كواحة للرفاهية والازدهار.

كما حققت مراكز متقدمة في تقارير السعادة العالمية، حيث تعتمد هذه التقارير على معايير تشمل نصيب الفرد من الدخل، الدعم الاجتماعي، وحرية اتخاذ القرارات الشخصية.

ولتعزيز هذه الصورة، أطلقت الدولة العديد من المبادرات مثل “الميثاق الوطني للسعادة والإيجابية”، و”البرنامج الوطني للسعادة وجودة الحياة”، إضافة إلى المسح الوطني للسعادة والإيجابية لقياس مستوى رضا السكان.

كما شاركت الإمارات في التحالف العالمي للسعادة وجودة الحياة، بهدف الترويج لسياساتها التنموية على الصعيد الدولي. كل هذه الخطوات تهدف إلى تعزيز رؤية الإمارات كدولة تضع رفاهية شعبها في صلب سياساتها، إلا أن هذه الصورة الوردية تتناقض بشكل صارخ مع الواقع القاتم الذي تعيشه الدولة في ظل تكميم الأفواه، القمع الأمني، وتورطها في نزاعات دامية خارج حدودها.

القمع في الداخل: دولة السعادة لا تسامح معارضيها

بينما تروج الإمارات لنفسها كدولة ترعى السعادة، فإنها على أرض الواقع تدير أحد أكثر الأنظمة القمعية في المنطقة. فأي صوت معارض داخل البلاد يواجه بالقمع والسجن والتضييق، حيث لا مكان للحريات السياسية أو التعبير المستقل. مثال على ذلك الناشط الحقوقي أحمد منصور، الذي يقبع في السجن منذ عام 2017 بسبب مواقفه المنتقدة للحكومة ومطالبته بالإصلاحات السياسية وحقوق الإنسان.

وقد تعرض منصور للحبس الانفرادي، ومنع من الاتصال بالعالم الخارجي، في مشهد يعكس الوجه الحقيقي للحكومة الإماراتية التي تدعي الترويج للسعادة، بينما تغلق أبواب السجون على كل من يجرؤ على معارضتها.

الانتهاكات لا تقتصر على المعارضين السياسيين، بل تشمل أي شخص يعبر عن رأي مخالف، إذ تفرض السلطات الإماراتية رقابة صارمة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتعاقب أي انتقاد للحكومة أو الأسرة الحاكمة بأحكام قاسية، قد تصل إلى السجن لفترات طويلة تحت ذرائع “الإضرار بسمعة الدولة” أو “نشر أخبار كاذبة”. كما أن قانون الجرائم الإلكترونية يستخدم كأداة لقمع المعارضين وتكميم الأفواه، مما يجعل مفهوم “السعادة” الذي تروج له الإمارات مجرد شعار دعائي لتغطية القمع الممنهج.

الإمارات في الخارج: دعم الانقلابات وتمويل الإرهاب

لم يقتصر الوجه القمعي للإمارات على الداخل، بل امتد ليشمل تدخلات عدائية في دول عديدة، حيث لعبت أبوظبي دورًا رئيسيًا في زعزعة استقرار دول عربية من خلال دعم الميليشيات والانقلابات العسكرية. في مصر، كان للإمارات دور أساسي في دعم الانقلاب العسكري عام 2013 بقيادة عبد الفتاح السيسي، حيث قدمت مليارات الدولارات لدعم النظام العسكري وتثبيت حكمه، رغم الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان في البلاد.

أما في ليبيا، فقدمت الإمارات دعماً عسكريًا هائلًا للجنرال خليفة حفتر، وساعدته في شن حروب مدمرة ضد الحكومة المعترف بها دوليًا، مستخدمةً طائرات مسيرة وأسلحة متطورة. كما تورطت في إرسال مرتزقة لدعمه في حربه التي عمقت الانقسام في البلاد وزادت من معاناة الشعب الليبي.

في السودان، لعبت الإمارات دورًا خفيًا في دعم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، التي ارتكبت جرائم حرب في دارفور وأجزاء أخرى من السودان. وقدمت أبوظبي أسلحة وتمويلًا لهذه الميليشيات التي تمارس القتل والنهب، في محاولة لبسط نفوذها في البلاد.

وفي اليمن، تدعي الإمارات أنها تشارك في التحالف العربي لمحاربة الحوثيين، لكنها في الحقيقة سعت إلى تنفيذ أجندة خاصة بها عبر دعم ميليشيات انفصالية، مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، وتقويض الحكومة الشرعية. كما استولت على موانئ استراتيجية مثل ميناء عدن وجزيرة سقطرى، مما يعكس أطماعها التوسعية على حساب استقرار اليمن.

الإمارات أيضًا متورطة في دعم فصائل مسلحة في سوريا، وساعدت على تمويل وتسليح بعض الجماعات الإرهابية خلال سنوات الحرب، مما ساهم في تفاقم الأزمة السورية وزيادة معاناة المدنيين. هذا فضلاً عن حصارها لقطر عام 2017 ضمن تحالف مع السعودية والبحرين ومصر، في خطوة عدائية أدت إلى تصعيد سياسي واقتصادي كبير في منطقة الخليج.

السعادة كأداة ترويجية: الإمارات بين التلميع والقمع

باحتفالها بـ”يوم السعادة العالمي”، تحاول الإمارات تصدير صورة مشرقة عن نفسها، لكنها تتجاهل الانتهاكات القمعية التي تمارسها داخليًا وخارجيًا. ففي الوقت الذي تستثمر فيه في مبادرات ظاهرها رفاهية وسعادة، فإنها تدير أحد أكثر الأنظمة البوليسية قمعًا في المنطقة، حيث يُزج بالمعارضين في السجون، ويُراقب المواطنون إلكترونيًا، وتُحكم السيطرة على وسائل الإعلام.

أما خارج حدودها، فقد أصبحت الإمارات لاعبًا رئيسيًا في تمويل النزاعات، ودعم الانقلابات، وإذكاء الحروب الأهلية، مما يكشف أن سياسات السعادة التي تتباهى بها ليست سوى واجهة زائفة تخفي وراءها حقيقة نظام قائم على القمع، التوسع، ودعم الحروب.

وبينما تواصل الإمارات احتفاءها بهذا اليوم، فإن ضحايا سياساتها القمعية في الداخل، والدماء التي تسببت في إراقتها في الخارج، يفضحون زيف هذه الدعاية، ويؤكدون أن “السعادة” التي تروج لها الحكومة الإماراتية ليست سوى شعار فارغ يخفي خلفه واقعًا مريرًا من الظلم والاستبداد.

اقرأ أيضًا : النظام الإماراتي وتغيير استراتيجيته في السودان: من التدخل المباشر إلى التفكيك الداخلي