أثارت خطوة السلطات الإماراتية بحجب عدد من الحسابات العربية والسعودية البارزة على منصة “إكس” جدلاً واسعاً في الأوساط الرقمية والسياسية، بعد أن أعلن أصحاب هذه الحسابات أنهم تعرضوا لما يعرف بـ”الحجب الجغرافي” داخل الإمارات. ويعني هذا الإجراء أن الحسابات ما تزال موجودة وتعمل بشكل طبيعي على المنصة، لكن المستخدمين داخل الإمارات لا يستطيعون الوصول إليها، وهو ما يؤكد أن القرار يستهدف عزل محتوى معين عن الجمهور المحلي دون اللجوء إلى حذف الحسابات نهائياً.
وجاءت هذه الخطوة في توقيت شديد الحساسية، بالتزامن مع تصاعد التوتر العسكري في الشرق الأوسط عقب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من رد إيراني استهدف مواقع إسرائيلية وقواعد أمريكية في المنطقة. ومع اتساع حالة القلق الأمني في الخليج، يبدو أن أبوظبي اختارت تشديد الرقابة على الفضاء الرقمي لمنع انتشار روايات أو تحليلات قد تثير الجدل أو الانتقادات داخل الدولة.
وتداول ناشطون صوراً لكتاب رسمي منسوب إلى النائب العام الإماراتي حمد الشامسي، يتهم بعض الحسابات بـ”نشر محتوى غير قانوني مسيء للدولة وقيادتها”، ويطلب من الجهات المختصة في هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية تنفيذ قرار الحجب. ومنذ ذلك الحين، باتت محاولة الدخول إلى تلك الحسابات من داخل الإمارات تقود المستخدم إلى رسالة تفيد بأن الحساب “محجوب في هذا البلد استجابة لمتطلبات قانونية”.
حسابات مؤثرة ضمن قائمة الحجب
لم يقتصر القرار على حسابات صغيرة أو مجهولة، بل شمل أسماء مؤثرة يتابعها ملايين المستخدمين في العالم العربي. ومن أبرز الحسابات التي طالها الحجب حساب قناة “العربية” المختص بالأخبار العاجلة، بالإضافة إلى حساب الناشط السعودي إياد الحمود الذي يتجاوز عدد متابعيه خمسة ملايين شخص، ويُعرف بنشر الأخبار العالمية والمحتوى المنوع الذي يحظى بانتشار واسع.
كما شملت القائمة الإعلامي السعودي مالك الروقي، والخبير الاستراتيجي هشام الغنام، إضافة إلى منصة “مسبار” المتخصصة في التحقق من المعلومات، والحساب الاقتصادي لمنصة “الشرق”. ولم تسلم أيضاً بعض الأصوات المعارضة للإمارات مثل الناشطة مريم الحمادي.
ويعكس هذا التنوع في الحسابات المستهدفة أن القرار لا يرتبط فقط بالمحتوى السياسي المباشر، بل يمتد إلى أي حساب قادر على تشكيل رأي عام أو نشر روايات قد لا تتوافق مع الخطاب الرسمي للدولة. وبذلك يبدو أن الحجب لا يستهدف أفراداً بعينهم بقدر ما يستهدف السيطرة على تدفق المعلومات في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
كيف يتم تنفيذ الحجب الجغرافي؟
من الناحية التقنية والقانونية، يمكن تنفيذ الحجب الجغرافي عبر مسارين رئيسيين. المسار الأول يتمثل في الطلبات القانونية التي تقدمها الحكومات مباشرة إلى منصات التواصل الاجتماعي. وفي هذه الحالة، تخاطب الجهة الحكومية المنصة وتطلب تقييد حساب أو محتوى داخل نطاق جغرافي محدد إذا اعتبرت أنه يخالف القوانين المحلية.
وعند استجابة المنصة، تقوم بتفعيل ما يعرف بـ”الحجب الجغرافي”، بحيث يبقى الحساب موجوداً على المنصة لكن يتم تعطيل ظهوره داخل الدولة التي أصدرت الطلب. ولهذا السبب يستطيع المستخدمون في بقية دول العالم رؤية الحساب بشكل طبيعي، بينما يظهر للمستخدم داخل الإمارات إشعار يفيد بأن الحساب غير متاح بسبب متطلبات قانونية.
أما المسار الثاني فهو تقني بحت ويتم عبر مزودي خدمات الإنترنت داخل الدولة. وتشمل هذه الآليات حجب الروابط المباشرة للحسابات أو تصفية حركة البيانات المتجهة إلى صفحات محددة داخل المنصة.
ومن أبرز التقنيات المستخدمة في هذا المجال ما يعرف بتصفية الروابط أو URL Filtering، حيث يتم منع الوصول إلى عنوان الحساب نفسه عبر جدران حماية رقمية متطورة. كما يمكن استخدام تقنية فحص حزم البيانات العميق، التي تسمح للجهات المختصة برصد الطلبات المتجهة إلى صفحات معينة ومنع تحميلها داخل الدولة.
هذه الأدوات تجعل من الممكن تعطيل الوصول إلى الحسابات بشكل كامل داخل الدولة حتى لو كانت المنصة نفسها لم تحذف الحسابات من خوادمها العالمية.
إطار قانوني يمنح السلطات صلاحيات واسعة
تعتمد الإمارات في مثل هذه الإجراءات على مجموعة من القوانين والتشريعات التي تمنح السلطات صلاحيات واسعة في تنظيم المحتوى الرقمي. ويعد قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية الصادر عام 2021 أحد أبرز هذه القوانين.
وينص القانون على إمكانية إصدار أوامر حظر الوصول إلى مواقع أو حسابات إلكترونية إذا اعتبرت السلطات أن محتواها يهدد الأمن الوطني أو الاقتصاد أو الاستقرار الاجتماعي. كما يمنح النائب العام صلاحية إصدار قرارات مباشرة بحجب أي موقع أو حساب يرى أنه ينشر محتوى قد يشكل خطراً على الدولة.
وتشير بعض مواد القانون إلى أنه يمكن تعطيل وصول المستخدمين داخل الدولة إلى أي موقع أو منصة إذا تعذر تنفيذ التعليمات الأخرى أو إزالة المحتوى المخالف. وهو ما يمنح السلطات أدوات قانونية مرنة للتعامل مع المحتوى الرقمي في أوقات الأزمات أو التوترات السياسية.
الرقابة الرقمية بين الأمن والخوف من الرأي العام
يرى منتقدون أن هذه الإجراءات تعكس اتجاهاً متزايداً نحو إحكام السيطرة على الفضاء الرقمي في الإمارات، خصوصاً في ظل الأزمات الإقليمية. فمع تزايد دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام، باتت الحكومات تنظر إلى هذه المنصات باعتبارها ساحات سياسية لا تقل أهمية عن الإعلام التقليدي.
كما أن وجود مكتب إقليمي لمنصة “إكس” في مدينة دبي للإعلام يمنح السلطات الإماراتية قدرة أكبر على التواصل المباشر مع الشركة وطلب تنفيذ قرارات الحجب بسرعة. ومع السياسات الجديدة التي تبنتها إدارة المنصة تحت قيادة إيلون ماسك، والتي تركز على الامتثال للقوانين المحلية لتجنب الغرامات أو الحظر، أصبحت الاستجابة لمثل هذه الطلبات أكثر سهولة.
لكن بالنسبة لكثير من المراقبين، فإن اتساع نطاق الحجب يعكس أيضاً حالة من القلق داخل النظام السياسي من تدفق المعلومات خارج السيطرة. ففي عصر الإعلام الرقمي، لم يعد بإمكان الحكومات التحكم الكامل في الرواية الرسمية، الأمر الذي يدفع بعض الأنظمة إلى تشديد الرقابة على المنصات الرقمية في محاولة لعزل مجتمعاتها عن الأصوات المخالفة.
وهكذا، يبدو أن معركة السيطرة على المعلومات باتت جزءاً لا يتجزأ من الصراعات السياسية في المنطقة، حيث تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة جديدة للمواجهة بين السلطة والرأي العام.
اقرأ أيضا : بيان فيلق القدس يعلن نهاية “الأيام السعيدة” للعدو ويهدد بتوسيع المواجهة عالمياً