تكشف خطوة الإمارات الأخيرة نحو فنزويلا عن انتقال واضح في طبيعة دورها السياسي والاقتصادي، من نظام توسّعي مارس التدخل والاختراق القسري في محيطه العربي والإفريقي، إلى أداة استعمارية عابرة للقارات تعمل ضمن منظومة الهيمنة الأميركية الحديثة. دخول شركة أدنوك الإماراتية على خط الاستثمار في قطاع الغاز الفنزويلي لا يمكن فصله عن هذا السياق، ولا قراءته كقرار تجاري مستقل، بل كحلقة جديدة في إعادة توزيع الأدوار داخل شبكة تجمع المال، والطاقة، والضغط السياسي، وتدار من واشنطن تحت مسمى “الشراكات”.
أدنوك، ذراع الطاقة الأهم لأبو ظبي، تدرس الاستثمار في مشاريع الغاز الطبيعي في فنزويلا في لحظة يعاني فيها البيت الأبيض من إحجام الشركات الأميركية الكبرى عن الانخراط المباشر في قطاع الطاقة الفنزويلي الذي لا يعكس حذرًا مهنيًا ولا حسابات اقتصادية بريئة، بل يكشف إدراكًا داخل واشنطن بأن هذا القطاع خاضع لعقوبات جائرة ومقصودة صُممت لخنق الدولة الفنزويلية ودفعها إلى الانهيار. هذا الإحجام ليس موقفًا أخلاقيًا، بل مناورة سياسية تهدف إلى إبقاء اليد الأميركية نظيفة ظاهريًا، بينما يجري البحث عن أطراف ثالثة تتولى تنفيذ عملية الاختراق والاستحواذ نيابة عنها. هنا يتقدّم الدور الإماراتي بوصفه الأداة المثالية: نظام مستعد لاقتحام القطاعات المُحاصَرة، وتحمل تبعات العقوبات، وتنفيذ السياسات الأميركية بالقوة المالية بدل التدخل المباشر، مقابل تثبيت موقعه داخل منظومة الهيمنة العابرة للحدود.
الإدارة الأميركية لا تُخفي نيتها إعادة هندسة قطاع الطاقة الفنزويلي بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، سواء عبر إعادة تشغيل البنية التحتية المنهكة أو السيطرة على مسارات التصدير والعائدات. تصريحات دونالد ترامب حول رغبته في التحكم المباشر بعائدات النفط الفنزويلي، وربط تخفيف العقوبات بتدفّق الاستثمارات، تعكس هذا المنطق بوضوح. في هذا الإطار، لا تظهر الإمارات كشريك متساوٍ، بل كأداة جاهزة تُستخدم لتجاوز القيود السياسية والقانونية التي تعيق التدخل الأميركي المباشر.
هذا النمط من التدخل ليس استثناءً، بل امتدادًا لسياسة إماراتية راسخة تقوم على استخدام الطاقة ورأس المال السيادي كوسائل اختراق واستحواذ، لا كأدوات تنمية. أدنوك نفسها كانت جزءًا من محادثات سابقة شاركت فيها أطراف أميركية وإسرائيلية وإماراتية بشأن الاستثمار في حقول غاز غزة، تحت غطاء “إعادة الإعمار”، في نموذج يعكس وحدة المنهج وتكرار الأدوات واختلاف الساحات.
فنزويلا، بما تمتلكه من أكبر احتياطي نفطي في العالم وأكثر من ثلثي احتياطي الغاز في أمريكا الجنوبية، تشكل هدفًا مثاليًا لهذا المشروع. الحديث عن “إحياء الإنتاج” و”تقليل حرق الغاز” يخفي في جوهره عملية إعادة سيطرة على مورد استراتيجي لدولة أُنهكت بالعقوبات، وتحويل قطاعها الطاقوي إلى مساحة مفتوحة أمام رأس المال المرتبط بمراكز القرار في واشنطن.
بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى تحرك أدنوك باعتباره استثمارًا، بل كجزء من منظومة استعمار حديث تُدار بأدوات اقتصادية بدل الجيوش، وتُنفّذ عبر وكلاء إقليميين بدل الاحتلال المباشر. الإمارات، التي راكمت خبرتها في اليمن والسودان والقرن الإفريقي، تنقل اليوم هذا النموذج إلى أمريكا الجنوبية، مؤكدة أن دورها لم يعد يقتصر على محيط جغرافي بعينه، بل على أداء وظيفة ثابتة داخل مشروع هيمنة عالمي يتبدل شكله ولا يتغير جوهره.