في مشهد دموي جديد يُضاف إلى سجل الفظائع المستمرة في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، اتهمت لجنة إغاثية محلية قوات “الدعم السريع” المدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة بارتكاب مجزرة مروعة في مخيم “أبو شوك” للنازحين بمدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور. 

وأسفر الهجوم عن مقتل 8 أشخاص وجرح آخرين، ما يعيد إلى الواجهة سؤالاً ملحاً: ما مدى مسؤولية الداعمين الإقليميين، وفي مقدمتهم الإمارات، عن الجرائم المستمرة بحق المدنيين السودانيين؟

قصف على مخيم نازحين

بحسب بيان صادر عن “غرفة طوارئ مخيم أبو شوك”، وهو كيان تطوعي نشأ عقب اندلاع الحرب، فإن قوات الدعم السريع قصفت المخيم بالمدفعية الثقيلة صباح الأربعاء، مما أدى إلى استشهاد 8 نازحين. لم تشر الغرفة إلى عدد المصابين أو درجة خطورتهم، لكن البيان كشف عن حالة من الذعر والانهيار النفسي في صفوف السكان.

هذا الاستهداف المباشر لمخيم يأوي آلاف المدنيين يُعد انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني، ويعكس منهجية القوات المتمردة في استخدام القوة ضد المدنيين العزل، في سياق حرب تستهدف أساساً البنية الاجتماعية والإنسانية للسودان.

صمت الدعم السريع وتكرار النفي

حتى ساعة كتابة هذا التحليل، لم يصدر عن “الدعم السريع” أي تعليق بشأن القصف على مخيم أبو شوك، وهو نمط متكرر في تعامل هذه الميليشيا مع الاتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. عادة ما يكتفي الناطقون باسم الدعم السريع بتصريحات فضفاضة حول “الحرص على المدنيين”، بينما تتوالى الشهادات المحلية والدولية عن استهداف المستشفيات، الأسواق، والمخيمات.

في المقابل، تؤكد التقارير الميدانية والأممية أن الفاشر، التي تضم أكثر من مليون نسمة وتُعد المركز الإنساني الأهم في إقليم دارفور، باتت عرضة لانهيار شامل في ظل الحصار والاشتباكات التي تخوضها قوات الدعم السريع ضد الجيش السوداني منذ 10 مايو 2024.

نزوح جديد وأزمة إنسانية متفاقمة

ما بين 4 و9 يونيو الجاري، سجلت منظمة الهجرة الدولية نزوح 307 أسر من مخيم أبو شوك وأحياء مدينة الفاشر بسبب انعدام الأمن، وفق بيان صدر الأربعاء. معظم هذه الأسر فرت إلى مناطق داخل الفاشر، بينما توجه بعضها إلى منطقة “طويلة”، في مشهد يتكرر منذ بداية النزاع.

تراكم موجات النزوح هذه يزيد من تعقيد الوضع الإنساني، حيث تفتقر المناطق المستقبِلة لأي بنية تحتية أو إمدادات إغاثية، مما ينذر بكارثة إنسانية وشيكة تهدد بمجاعة جماعية، في ظل عجز المنظمات الدولية عن الوصول إلى مناطق الصراع.

الدور الإماراتي في تغذية الصراع

ما يثير القلق بشكل متزايد هو أن هذه الجرائم لا تُرتكب في فراغ، بل تجري برعاية إقليمية معروفة، وعلى رأسها دولة الإمارات التي توجه دعماً عسكرياً ولوجستياً واسعاً لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). وقد كشفت عدة تقارير استخبارية وصحفية أن أبوظبي ترسل أسلحة ومعدات عبر طرق غير شرعية إلى السودان، خاصة عبر الحدود التشادية، وتوفر غطاءً سياسياً لحرب الدعم السريع مقابل مصالح اقتصادية مرتبطة بثروات السودان المعدنية، خصوصاً الذهب.

هذا الدعم لا يتوقف عند التسليح، بل يشمل حملات دعائية لغسل سمعة حميدتي، وعقد صفقات سياسية مع أطراف دولية لضمان عدم عزله، ما يضع الإمارات في خانة الشريك الفعلي في الجرائم الجارية، ويجعلها عرضة لمساءلة قانونية مستقبلية.

المجتمع الدولي: تحذيرات بلا فعل

رغم التحذيرات الأممية من أن معركة الفاشر قد تتحول إلى “مذبحة كبرى”، لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل جاد للضغط على الأطراف المتورطة، أو لفرض عقوبات على الجهات الداعمة للمليشيات. وحتى الآن، لا توجد آلية فعالة لمنع تكرار المذابح أو لإيصال المساعدات إلى المدنيين المحاصرين، ما يجعل السكان عرضة للإبادة الصامتة.

نحو مسؤولية دولية أشمل

إن ما يحدث في الفاشر هو عينة مما يعانيه السودانيون في دارفور وعموم البلاد. فالحرب المستمرة منذ أكثر من عام قتلت ما يزيد عن 20 ألف شخص، بينما تشير دراسة أكاديمية حديثة أعدتها جامعات أمريكية إلى أن الرقم الحقيقي قد يبلغ نحو 130 ألفًا. كما تسبب النزاع في تشريد نحو 15 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، في واحدة من أسوأ أزمات النزوح في العالم.

وأمام هذه الكارثة، لا بد من تحرك دولي يتجاوز الإدانة، يبدأ بفرض عقوبات صارمة على داعمي الميليشيات مثل الإمارات، وإنشاء آلية دولية مستقلة للتحقيق في جرائم الحرب بالسودان، تمهيدًا لمحاكمة مرتكبيها أمام العدالة الدولية.

في النهاية، فإن صمت العالم عن مذبحة أبو شوك اليوم سيعني تكرارها غدًا، ما لم تُواجه منظومة الإجرام، ومن يدعمها، بالحسم والمحاسبة.

اقرأ أيضًا : الجيش السوداني يتهم حفتر بدعم ميليشيا حميدتي.. برعاية إماراتية للمرتزقة