في فضيحة مدوّية جديدة تُضيف حلقة خطيرة إلى سجل أبوظبي في تغذية الصراعات، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية أنّ الإمارات دفعت فدية هائلة لتنظيم القاعدة في مالي تجاوزت 23 مليون دولار مقابل تحرير أحد أفراد أسرة آل مكتوم بعد اختطافه في باماكو جنوب مالي.
ورغم أن الواقعة تبدو للوهلة الأولى حادثة إنسانية تتعلق بتحرير رهينة، إلا أن تفاصيلها تُظهر كارثة سياسية وأمنية، وتكشف كيف تتحول الإمارات مرة أخرى إلى مموّل مباشر للتنظيمات المتطرفة، حتى دون قصد، بسبب ارتباك سياساتها وضعف مؤسساتها واعتمادها على النفوذ المالي فقط.

23 مليون دولار… مال إماراتي يصل مباشرة إلى أخطر فروع القاعدة
بحسب مسؤولين غربيين نقلت عنهم الصحيفة، فإن الإمارات دفعت أكثر من 20 مليون دولار نقداً، إضافة إلى الإفراج عن عشرات السجناء “المتطرفين” في مالي، من أجل إطلاق سراح الشيخ أحمد بن مكتوم بن جمعة آل مكتوم (78 عاماً) الذي اختطفه عناصر من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة في الساحل الإفريقي.
تفاصيل الصفقة مذهلة:
– المفاوضات جرت في فندق راديسون في باماكو بين مبعوثين إماراتيين ومسؤولين ماليين ووسطاء.
– الأموال قُدمت نقداً وتم نقلها عبر طائرة خاصة من طراز Gulfstream وصلت من دبي.
– القاعدة حصلت على الأموال وعلى تنازلات سياسية وأمنية من مالي.
– الشيخ المختطف ورفيقاه نُقلوا فوراً إلى دبي.
النتيجة المباشرة أن الخزينة الحربية لتنظيم القاعدة في الساحل امتلأت من جديد، وفق الصحيفة
كيف أصبحت أبوظبي أكبر داعم غير مباشر للجماعات المتطرفة؟
هذه ليست المرة الأولى التي تتورط فيها الإمارات في تمويل غير مباشر للتنظيمات المسلحة. ففي ليبيا دعمت ميليشيات مجرّبة، وفي اليمن موّلت كيانات انفصالية وكتائب مسلحة خارج الشرعية. وفي القرن الإفريقي تمتد شبكاتها عبر المرتزقة وشركات أمنية “خاصة”.
لكن الفضيحة الجديدة تكشف بوضوح أن الدولة التي تصوّر نفسها مركزاً للحداثة والاستقرار، عاجزة عن حماية مواطنيها خارج الحدود دون اللجوء إلى الدفع النقدي للراديكاليين وهو ما يعكس هشاشة حقيقية في بنية الدولة رغم الثروة الهائلة.
ثمّة سؤال جوهري:
كيف لدولة تنفق مليارات على الموانئ، وقواعد عسكرية، وطائرات متطورة، وشركات أمنية، أن تلجأ إلى “حقائب الدولارات” لإنقاذ شخص واحد؟
الجواب يكمن في طبيعة النظام نفسه:
– غياب المؤسسات الأمنية الاستخباراتية الفعّالة لصالح شبكات ولاءات شخصية.
– تضخم الدور الخارجي على حساب الأمن الداخلي.
– الاعتماد على النفوذ المالي كوسيلة وحيدة للحضور في إفريقيا وآسيا.
– عدم امتلاك استراتيجية حقيقية لحماية المواطنين خارج حدود البلاد.
الشيخ المختطف… بين تجارة الذهب وشبكات النفوذ
الصحيفة كشفت أيضاً أن الشيخ المختطف نفسه كان منخرطاً في تجارة المعادن الثمينة القادمة من مالي، وأن شركات إماراتية تتمتع بحضور قوي في قطاع الذهب الذي يُهرّب معظمه إلى دبي.
هذا الضوء الإضافي يكشف جانباً آخر من القصة:
أن وجود الإمارات في مالي ليس بريئاً، بل يرتبط بشبكات ثروة واسعة، تُذكّر بالدور الإماراتي في السودان، حيث تحوّلت أبوظبي إلى وجهة ذهب دارفور عبر شركات مرتبطة بالدولة.
بمعنى آخر، فإن الدافع الاقتصادي الضخم جعل الإمارات تغامر بنفوذها في واحدة من أخطر مناطق العالم، دون استعداد أمني أو سياسي، وهو ما أدى إلى الكارثة.
دبلوماسية غامضة… وإفلاس استراتيجي
تقول الصحيفة إن هذه الصفقة تسلط الضوء على الدور الدبلوماسي الغامض الذي تلعبه الإمارات، وهو دور لا يتردد في تجاهل المصالح الأمريكية عندما تتعارض مع مصالح أبوظبي الخاصة. والمفارقة أن واشنطن، التي تقود الجهد الدولي لمحاربة “الإرهاب” في الساحل، تجد اليوم حليفاً لها يمنح القاعدة الأموال التي تحتاجها لإعادة بناء قوتها.
هذا يطرح سؤالاً ضرورياً:
هل الإمارات دولة ذات مشروع استراتيجي حقيقي؟
أم أنها مجرد دولة غنية تستخدم المال لتجاوز أزماتها، وتعتمد كلياً على المرتزقة والميليشيات لتعويض نقص الكفاءة والقدرات الوطنية؟
دولة لا تتقن سوى تجنيد الميليشيات
سلوك أبوظبي خلال العقد الأخير يقدّم الإجابة بوضوح.
فهي الدولة التي:
– صنعت ميليشيات في اليمن.
– دعمت مرتزقة في ليبيا.
– موّلت جماعات مسلحة في القرن الإفريقي.
– منحت شركات أمنية خاصة أدواراً شبه حكومية.
– والآن… تعيد تمويل جناح من أخطر تنظيمات القاعدة في العالم.
إنها دولة لا تملك أدوات نفوذ حقيقية، فلا تأثير سياسي، ولا ثقل حضاري، ولا قوة عسكرية مستقلة، بل تعتمد فقط على شراء النفوذ وخلق ميليشيات خارجية تعوّض هشاشتها الداخلية.
ختاماً: صفقة واحدة تكشف كل شيء
تكشف هذه القضية أن الإمارات ليست قوة إقليمية صاعدة كما تصف نفسها، بل دولة غنية عاجزة تعتمد على المال لشراء الأمن والنفوذ.
اقرأ أيضًا : اغتيال ياسر أبو شباب.. نهاية دموية لعميلٍ صنعته إسرائيل