نجحت القوات المدعومة من النظام الإماراتي في جنوب اليمن في الاستيلاء على السلطة عبر كامل مناطق الجنوب، في خطوة تفتح الباب أمام إعلان دولة جنوبية مستقلة وإعادة تقسيم اليمن إلى دولتين للمرة الأولى منذ ستينيات القرن الماضي. هذه السيطرة الكاملة ليست حدثًا عسكريًا فحسب، بل تعكس تنفيذًا مباشرًا للمشروع الإماراتي القائم على فرض واقع تقسيمي يخدم أجندتها التوسعية ورغبتها في السيطرة على الموانئ والثروات النفطية والمواضع الاستراتيجية في جنوب البلاد.

وفي تطور يشكل انتكاسة كبيرة للسعودية – التي كانت الفاعل الخارجي الأكبر في اليمن – اضطرت الرياض إلى سحب قواتها من القصر الرئاسي في عدن ومن مطار المدينة، في انسحاب يعكس أن القوات المحسوبة على السعودية ضمن الحكومة المعترف بها دوليًا قد هُزمت وتراجعت أمام القوات المدعومة إماراتيًا. ورغم ذلك، فإن إعلان دولة جنوبية مستقلة فورًا سيظل خطوة محفوفة بالمخاطر، خاصة بالنظر إلى تجارب دول أخرى مثل الصحراء الغربية التي اعتقدت أن لديها الدعم الدولي الكافي للانفصال ثم وجدت نفسها وحيدة.

ولذلك، يبدو أن المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا سيستخدم الفترة المقبلة للحديث عن استفتاء أو آلية مشابهة للتحرك نحو انفصال تدريجي عن الشمال، بينما يظل القرار النهائي مرهونًا بما يريد النظام الإماراتي أن يحدث، بوصفه الراعي السياسي والعسكري الأساسي للمجلس الانتقالي.

منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2015، كان الجنوب يُدار بتحالف هش يجمع بين حزب الإصلاح المدعوم من السعودية بقيادة الرئيس رشاد العليمي، وبين المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي المدعوم من الإمارات. هذا التحالف لم يكن مستقرًا يومًا، إذ لطالما امتلكت الإمارات وحلفاؤها اليد العليا عسكريًا. العليمي غادر إلى الرياض حيث التقى دبلوماسيين غربيين، بينما اتخذ الزبيدي خطوات حاسمة على الأرض.

فبعد حصوله على ضوء أخضر – صريح أو ضمني – نجحت قوات الزبيدي الأسبوع الماضي في السيطرة على شركة “بترو مسيلة”، أكبر شركة نفط يمنية وتقع في حضرموت، مما جعله في موقع يسمح له بتحديد مستقبل الجنوب والبلاد بصورة شبه كاملة.

الدبلوماسيون الغربيون والأمم المتحدة لطالما عارضوا تقسيم اليمن، وفضلوا بدلاً من ذلك خارطة طريق سعودية لقيام حكومة فيدرالية تضم الحوثيين وقوى الجنوب. ومع ذلك، أجرى دبلوماسيون غربيون اتصالات هاتفية مع الزبيدي الأسبوع الماضي لمعرفة نواياه، بما في ذلك علاقاته مع روسيا، وتأثير ذلك على الحرب ضد الحوثيين المدعومين من إيران. حتى الآن، لم يصدر أي موقف علني من القوى الغربية أو من الولايات المتحدة.

وتوجد محافظتان خارج حدود الجنوب التاريخي – تعز ومأرب – لا تخضعان لسيطرة الحوثيين. وقد يعرض المجلس الانتقالي عليهما وضع “محميات” لضمان عدم سقوطهما في يد الحوثيين وضمّهما إلى ترتيبات نفوذه.

وقالت ميّساء شجاع الدين من مركز صنعاء للدراسات أن ما حدث يمثل أكبر نقطة تحول منذ سقوط صنعاء في يد الحوثيين عام 2015، وأنه يمكن أن يقلب التحالفات الإقليمية والمحلية رأسًا على عقب، بما في ذلك إدخال الإمارات في مواجهة مباشرة مع السعودية. وأضافت أن المجلس الانتقالي سيكون في موقع قوي للتفاوض على حكم ذاتي واسع للجنوب، فيما تواجه السعودية مخاوف جديدة بشأن حماية حدودها بعد الهجمات الحوثية السابقة عليها.

وتشير التكهنات إلى أن الإمارات ربما أعطت الضوء الأخضر للمجلس الانتقالي للتحرك ردًا على طلب السعودية من دونالد ترامب التدخل لإنهاء الحرب في السودان، وهي الحرب التي سببت للإمارات الكثير من الإحراج الدولي بسبب الاتهامات بتسليح قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم حرب في دارفور.

ولا تزال بعثة سعودية متواجدة في حضرموت تحت ضغط شديد من الرياض في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. في الوقت نفسه، دخل ما يصل إلى عشرة آلاف مقاتل من قوات المجلس الانتقالي الجنوبي إلى حضرموت الغنية بالنفط ثم إلى المهرة على حدود عُمان، وهي محافظات لم تكن سابقًا تحت سيطرته. وبهذا الانتصار، يسيطر المجلس الانتقالي الآن على المحافظات الثماني التي كانت تشكل جنوب اليمن، لأول مرة في تاريخه. حاولت عُمان إغلاق الحدود احتجاجًا، لكنها اضطرت إلى التراجع.