كشفت تقارير صحفية غربية عن قرار إماراتي بتقييد التمويل الحكومي المخصص للطلبة الراغبين في الدراسة بالجامعات البريطانية، في خطوة تعكس توتراً سياسياً متزايداً بين أبوظبي ولندن، وتؤشر إلى تحولات أعمق في سياسات الابتعاث والتعليم العالي لدى دولة الإمارات.
وبحسب ما أوردته صحيفة فايننشال تايمز، فإن وزارة التعليم العالي الإماراتية نشرت في يونيو الماضي قائمة جديدة بالجامعات العالمية المعتمدة ضمن نظام الابتعاث، شملت مؤسسات أكاديمية في الولايات المتحدة وأستراليا وفرنسا وإسرائيل، في حين غابت الجامعات البريطانية بالكامل عن القائمة، رغم مكانتها الأكاديمية العالمية وتاريخها الطويل كوجهة مفضلة للطلبة الإماراتيين.
قرار سياسي لا «سهو إداري»
مصادر مطلعة أكدت أن غياب الجامعات البريطانية لم يكن نتيجة خطأ أو إغفال، بل جاء بقرار مقصود. ووفق هذه المصادر، بررت الجهات الإماراتية الخطوة بمخاوف تتعلق بما تصفه بـ«انتشار التطرف الإسلامي» داخل بعض الحرم الجامعية البريطانية، وهو ما تعتبره أبوظبي تهديداً أمنياً وفكرياً لطلبتها في الخارج.
في المقابل، شدد مسؤولون بريطانيون – خلال اتصالات رسمية – على أهمية مبدأ الحرية الأكاديمية، ورفضوا ربط الجامعات البريطانية بأي نشاط متطرف منظم، مؤكدين أن البيئة الجامعية في المملكة المتحدة تخضع لأطر قانونية ورقابية واضحة.
الإخوان المسلمون في قلب الخلاف
ويرتبط القرار، وفق التقرير، بالخلاف المستمر بين الإمارات وبريطانيا حول موقف لندن من جماعة الإخوان المسلمين، إذ لطالما أبدت أبوظبي امتعاضها من عدم تصنيف الجماعة تنظيماً إرهابياً في المملكة المتحدة.
ورغم أن تقريراً حكومياً بريطانياً شاملاً صدر عام 2015 خلص إلى أن الجماعة لا تمارس نشاطاً إرهابياً داخل بريطانيا أو ضدها، فإن الإمارات واصلت الضغط السياسي والإعلامي في هذا الملف، خاصة بعد تعهدات أطلقها سياسيون بريطانيون من اليمين الشعبوي بحظر الجماعة مستقبلاً.
تراجع أعداد الطلبة الإماراتيين
وتشير البيانات الرسمية إلى أن القرار انعكس بشكل مباشر على أعداد الطلبة الإماراتيين في بريطانيا. ففي العام المنتهي في سبتمبر/أيلول 2025، حصل 213 طالباً إماراتياً فقط على تأشيرات دراسية بريطانية، بانخفاض نسبته 27% مقارنة بالعام السابق، و55% مقارنة بعام 2022.
وأفادت مصادر تعليمية بأن التمويل الحكومي لطلبة إماراتيين جدد في الجامعات البريطانية كان يُرفض فعلياً حتى قبل صدور القائمة الرسمية في يونيو، في حين استمر دعم الطلبة الذين كانوا قد بدأوا دراستهم مسبقاً.
سياق أوسع من التوترات الثنائية
يأتي هذا التطور ضمن سلسلة من الخلافات بين الإمارات وبريطانيا خلال العامين الماضيين، شملت الجدل حول محاولة مدعومة من أبوظبي للاستحواذ على صحيفة «ديلي تلغراف»، والاتهامات الموجهة للإمارات بشأن دورها في السودان، إضافة إلى النزاع القانوني المرتبط بنادي مانشستر سيتي في الدوري الإنجليزي الممتاز.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن استبعاد الجامعات البريطانية من نظام الابتعاث لا يمكن فصله عن إعادة تموضع سياسي أوسع تنتهجه أبوظبي، يوظف أدوات التعليم والثقافة إلى جانب الاقتصاد والسياسة الخارجية، ويعكس في الوقت نفسه تسارع الانفتاح الأكاديمي على إسرائيل في إطار مسار التطبيع.
ابتعاث أم اصطفاف سياسي؟
يثير القرار تساؤلات متزايدة حول مستقبل سياسات الابتعاث في المنطقة، وحدود الفصل بين الاعتبارات التعليمية والأجندات السياسية، لا سيما في ظل استخدام التعليم كوسيلة ضغط غير مباشرة في الخلافات الدولية، وما قد يترتب على ذلك من آثار بعيدة المدى على الطلبة، والبحث العلمي، والتبادل الأكاديمي.