مع دخول الحرب الأهلية السودانية عامها الثاني، تواصل الإمارات مساعيها لتقديم نفسها كوسيط سلام، رغم تورطها المباشر في تأجيج الصراع عبر تسليح ميليشيات الدعم السريع واستجلاب المرتزقة من أمريكا اللاتينية.
وبينما دعت أبوظبي إلى هدنة إنسانية خلال شهر رمضان، جاء الرد السوداني صارمًا برفض أي وقف لإطلاق النار دون فك الحصار عن المدن المحاصرة، في إشارة واضحة إلى عدم ثقة الجيش السوداني بالنوايا الإماراتية.
الإمارات ومحاولة التغطية على دورها في الحرب
في تصريح لمسؤول إماراتي، زعمت أبوظبي أن دعوتها لوقف إطلاق النار تأتي احترامًا للشهر الكريم، قائلة: “مع اقتراب شهر رمضان المبارك، وهو شهر الرحمة والعطف، تدعو الإمارات جميع الأطراف إلى احترام هذه الفترة المقدسة بوقف إطلاق النار لأسباب إنسانية”.
غير أن هذا الخطاب لم يُقابل بالقبول من قبل الجيش السوداني، الذي اتهم الإمارات بمحاولة تلميع صورتها بينما تستمر في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع.
مسؤول رفيع في الجيش السوداني قال لرويترز: “لا نقبل بوقف إطلاق النار في رمضان إلا بعد فك الحصار عن كل المدن والمناطق المحاصرة”، في إشارة إلى المناطق التي تحاصرها ميليشيات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا.
ووفقًا لمصادر استخباراتية سودانية، تمكن الجيش السوداني من الاستحواذ على شحنات أسلحة إماراتية كانت في أيدي المليشيات، مما يؤكد تورط أبوظبي في دعم طرف ضد الآخر.

تسعير الحرب
الإمارات ليست مجرد طرف خارجي يسعى للوساطة، بل هي لاعب رئيسي في إذكاء الصراع لتحقيق مكاسب اقتصادية عبر نهب ثروات السودان، خاصة الذهب.
تعد السودان واحدة من أكبر الدول الإفريقية المنتجة للذهب، وقد كشفت تقارير أممية وتقارير استخباراتية أن الإمارات تدير شبكات تهريب واسعة لنقل الذهب السوداني عبر حدود البلاد نحو الأسواق العالمية، مما يحرم السودان من موارده الطبيعية الحيوية.
كما أكدت تقارير استخباراتية أمريكية أن أبوظبي أرسلت مرتزقة كولومبيين سبق أن قاتلوا في اليمن، لدعم ميليشيات الدعم السريع على الأرض.
يُعد هذا النهج امتدادًا لسياسات الإمارات في استخدام قوات أجنبية للقتال بالوكالة، كما فعلت سابقًا في ليبيا واليمن. هذه القوات تلعب دورًا رئيسيًا في زعزعة الاستقرار عبر ارتكاب مجازر ضد المدنيين، وهو ما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.
أكبر كارثة إنسانية في العالم ومسؤولية الإمارات
تسببت الحرب السودانية، التي غذتها الإمارات عبر دعم الميليشيات بالسلاح والمال، في خلق واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
أكثر من 12 مليون شخص نزحوا داخليًا أو لجأوا إلى دول الجوار، بينما يواجه نصف سكان البلاد خطر المجاعة. كما أسهمت الحرب في تفكيك البنية التحتية الصحية والتعليمية، حيث تعرضت المستشفيات والمدارس لهجمات مباشرة، وازدادت حالات التجنيد الإجباري للأطفال، مما ينذر بكارثة أجيال قادمة.
وقال رئيس لجنة السودان في الاتحاد الإفريقي، محمد بن شمباس، على منصة “إكس”: “هذه أسوأ أزمة إنسانية في العالم، فالأطفال يعانون من سوء التغذية، والمساعدات الإنسانية تعاني من العرقلة المستمرة”.
التقارير الواردة من المؤسسات الإنسانية تؤكد أن ارتفاع حالات سوء التغذية للأطفال بنسبة 44% في 2024 يعود إلى إغلاق طرق الإمداد، وهو ما تتحمل مسؤوليته القوات المدعومة إماراتيًا.
القمة الإماراتية في أديس أبابا: محاولة لغسل السمعة؟
أعلنت الإمارات عن نيتها تنظيم قمة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بالتعاون مع الاتحاد الإفريقي، لجمع تمويل للمساعدات الإنسانية في السودان، معلنةً تقديم 200 مليون دولار لهذا الغرض.
غير أن الحكومة السودانية رفضت هذه الخطوة، حيث وصفها نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار بأنها “عدوان متكامل على دولة إفريقية تسعى لحماية أراضيها وسيادتها”، مشيرًا إلى أن الإمارات تحاول تجميل صورتها بينما تستمر في تمويل طرف على حساب الآخر.
ردًا على هذا الرفض، قال مسؤول إماراتي: “للأسف، يسعى الجيش السوداني إلى تشويه دور الإمارات من خلال تزييف الحقائق… هذه الادعاءات لن تصرف انتباه الإمارات عن هدفها الأساسي وهو تعزيز الاستقرار”.
لكن مراقبين دوليين يرون أن القمة ليست سوى خطوة دعائية تهدف إلى إبعاد الأنظار عن تورط الإمارات في الحرب، خاصة بعد تصاعد الانتقادات الدولية لدورها في دعم المليشيات بالسلاح والمرتزقة.
الإمارات وتكرار سيناريوهات زعزعة الاستقرار
تعد سياسة الإمارات في السودان امتدادًا لنمط تدخلاتها في دول أخرى، حيث استخدمت نفس الأساليب في ليبيا لدعم قوات خليفة حفتر، وفي اليمن لدعم الانفصاليين في الجنوب، وفي الصومال عبر تمويل المليشيات المسلحة. في كل هذه الحالات، كانت النتيجة تفكيك الدول المستهدفة وتحويلها إلى ساحات صراع مستمر.
في السودان، تلعب أبوظبي دورًا مزدوجًا؛ من جهة تقدم نفسها كوسيط للسلام، ومن جهة أخرى تستمر في ضخ الأسلحة والأموال للمليشيات لضمان استمرار الصراع، وبالتالي ضمان سيطرتها على الموارد السودانية، خاصة الذهب.
وبالنظر إلى تاريخ التدخلات الإماراتية، فإن هدفها الأساسي في السودان لا يتعلق بنشر السلام، بل بتحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية.
ختامًا: السودان يدفع الثمن والإمارات تستفيد
الحرب السودانية المستمرة ليست مجرد صراع داخلي، بل هي حرب مدفوعة بأجندات خارجية، تأتي الإمارات في مقدمتها، حيث سخّرت الأموال والأسلحة والمرتزقة لتمزيق البلاد ونهب ثرواتها.
وبينما تروج أبوظبي لنفسها كوسيط سلام عبر دعوات زائفة لوقف إطلاق النار، فإن الحقيقة الواضحة هي أنها أحد المحركين الأساسيين لهذه المأساة، ومسؤوليتها المباشرة عن إراقة دماء السودانيين ونهب خيراتهم لا يمكن التغطية عليها بمؤتمرات دعائية أو وعود زائفة بالمساعدات الإنسانية.