تقف محافظة حضرموت، شرقي اليمن، على أعتاب واحدة من أخطر المراحل في تاريخها الحديث، بعدما تحولت إلى ساحة مفتوحة لصراع النفوذ بين قبائلها التاريخية من جهة، وتشكيلات عسكرية مدعومة صراحة من أبوظبي من جهة أخرى. تصعيد متسارع، وتحشيد عسكري غير مسبوق، وتهديدات مباشرة تطال زعماء القبائل، ما جعل المحافظة الكبرى في اليمن على برميل بارود قابل للاشتعال في أي لحظة.

المشهد ليس وليد أيام، بل نتيجة تراكمات طويلة من محاولات الإمارات فرض مشروعها الانفصالي على واحدة من أغنى المحافظات اليمنية بالثروات النفطية، في إطار سياسة منهجية تهدف إلى إعادة هندسة الخارطة اليمنية بما يخدم مصالحها الاقتصادية والأمنية، ولو كان الثمن تدمير النسيج القبلي وإشعال حرب أهلية جديدة.

تحركات إماراتية هجومية وتهديد مباشر للقبائل

في الساعات الماضية، وصلت إلى مدينة المكلا حافلات عسكرية قادمة من محافظات جنوبية، تحمل تعزيزات لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، في مشهد فسّره أبناء حضرموت بأنه محاولة واضحة لكسر التوازن القبلي بالقوة، وإسناد ألوية “الدعم الأمني” بقيادة صالح بن الشيخ أبو بكر، المكنّى بـ”أبي علي الحضرمي”، الرجل الذي بات واجهة النفوذ الإماراتي الجديدة في المحافظة.

بالتزامن، توافدت الحشود القبلية إلى منطقة الهضبة شمال شرق المكلا، حيث مقر “حلف قبائل حضرموت” بقيادة الشيخ عمرو بن حبريش العليي، في خطوة دفاعية تهدف لقطع الطريق أمام ما يصفونه بـ”غزو إماراتي تحت لافتة الانتقالي”.

الشرارة التي رفعت منسوب الغضب القبلي كانت التهديدات المباشرة التي أطلقها أبو علي الحضرمي بحق الحلف وزعيمه، إذ قال بأن قواته “لن تسكت عما يجري في الهضبة”، في لهجة غير مسبوقة تجاه أهم مرجعيات حضرموت الاجتماعية.

مشروع أبوظبي: خلق قوة موازية للقبائل والسيطرة على الهضبة النفطية

الباحث اليمني في العلاقات الدولية عبد الله الهندي يرى أن التصعيد الحالي ليس انفعالاً أو تصرفاً منفرداً، بل خطوة محسوبة لفرض واقع جديد في حضرموت بقوة السلاح. ويشير إلى أن أبو علي “يسعى لانتزاع السيطرة على مناطق النفوذ القبلي، خصوصاً الهضبة النفطية، تحت مبرر إحلال الأمن”.

الإمارات، التي شكلت “النخبة الحضرمية” عام 2016 ثم دفعت خلال السنوات الأخيرة نحو تشكيلات موازية خارج البنية العسكرية الرسمية، تعمل وفق استراتيجية تقوم على ثلاثة محاور رئيسية:

  1. تفكيك القوة القبلية التقليدية

    لأن هذه القوة هي الوحيدة القادرة على مقاومة أي مشروع خارجي.

  2. خلق قيادة عسكرية بديلة

    تكون ولاءاتها مرتبطة بأبوظبي لا بالدولة اليمنية.

  3. تأمين السيطرة على الثروة النفطية في حضرموت

    حيث تمر أهم حقول النفط وأنابيب التصدير، وشبكات الطرق الحيوية.

الهندي يؤكد أن “الدعم الأمني” يمتلك تفوقاً في التسليح والدعم اللوجستي، لكنه يفتقد الشرعية الاجتماعية، وهي نقطة ضعف قاتلة إذا انفجر الصراع بشكل واسع.

فراغ في السلطة يمنح الإمارات هامشاً للتحرك

أحد الأسباب المحورية للتوتر الحالي هو الغياب الكامل لمجلس القيادة الرئاسي عن المشهد، بعد فشل اللجنة التي شكلها رشاد العليمي في بداية الأزمة. هذا الفراغ منح المجلس الانتقالي مجالاً واسعاً للتحرك منفرداً، وكأنه السلطة الوحيدة على الأرض.

ويطرح الباحث سؤالاً حاداً:

هل غياب المجلس الرئاسي مجرد إهمال أم أنه يعكس صراع مصالح داخل المجلس نفسه، خاصة القوى المرتبطة بالملف الاقتصادي؟

فحضرموت تعتبر العمود الاقتصادي لليمن، ومن يسيطر عليها يملك ورقة النفط والغاز والنقل البحري.

تحذيرات من “أخطر مرحلة منذ عقود”

عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت الأسبق، فرج البحسني، حذّر من أن المحافظة تدخل “أخطر مرحلة منذ عقود”.

وقال إن زيادة التوتر “لن تخدم أحداً”، وإن حضرموت يتم دفعها نحو صراع داخلي لا يريده أهلها ولا تتحمل عواقبه.

تحذيرات البحسني تزامنت مع قرار مفاجئ من رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي بإقالة مبخوت بن ماضي وتعيين سالم الخنبشي محافظاً جديداً، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة متأخرة لاحتواء الانفجار، لكنها قد تعكس أيضاً صراع تنافسات داخلية جديدة.

معادلة حضرموت: صراع وجود لا نفوذ

حضرموت ليست مجرد محافظة، بل مساحة جغرافية تعادل ثلث اليمن، وتحمل أكبر احتياطي من النفط، وتضم مواقع استراتيجية على بحر العرب. لهذا السبب، يرى مراقبون أن ما يجري اليوم ليس خلافاً سياسياً عادياً، بل معركة وجود:

  • القبائل تدافع عن شرعية اجتماعية عمرها مئات السنين

    ● الإمارات تدفع نحو تفكيك النفوذ القبلي لصالح قواعد عسكرية وأذرع أمنية موالية لها

    ● الانتقالي يريد تثبيت مشروعه الانفصالي بأي ثمن

وكل طرف يعتقد أن خسارة حضرموت تعني خسارة مشروعه بالكامل.

خاتمة: حضرموت في اختبار حرج

اليوم، تقف حضرموت على مفترق طرق خطير. أي شرارة قد تعني انفجار حرب قبلية – عسكرية قد تفتح الباب أمام فوضى واسعة.

ومع استمرار الاندفاع الإماراتي لإعادة تشكيل اليمن بالقوة، وغياب الدولة، فإن المحافظة مهددة بأن تصبح ساحة حرب بالوكالة لخدمة أجندات إقليمية بعيدة تماماً عن مصالح اليمنيين.

إذا لم تتدخل أطراف محلية محايدة أو قوى إقليمية لفرملة الانفجار، فإن حضرموت قد تدخل مرحلة تدمير ذاتي تشبه ما حدث في عدن وشبوة وسقطرى… وهي مرحلة ستحمل بصمات واضحة لواحدة من أخطر السياسات التخريبية في المنطقة: سياسة أبوظبي القائمة على تفكيك اليمن وإعادة رسمه بالقوة.

اقرأ أيضا : “خطاب إبادة”: تقرير يوثق تطرف ميلاني فيليبس وتحريضها على حرب دائمة