في تصريح لافت يعكس المخاطر المتفاقمة التي تحيط بوحدة السودان، حذر حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة تحرير السودان، مني أركو مناوي، من مخطط إقليمي ودولي يستهدف تقسيم السودان إلى كيانات متناحرة، متهماً بشكل غير مباشر قوى خارجية – وعلى رأسها الإمارات – بتغذية هذا المشروع، ومتحدثاً عن “تخلي النخبة السودانية” عن دارفور بعد السيطرة على قلب البلاد.

تحذيرات مناوي جاءت خلال خطاب أمام عدد من زعماء القبائل في مدينة بورتسودان، الجمعة، ليطلق بذلك جرس إنذار حول مرحلة جديدة وخطيرة من الصراع، حيث تنتقل الحرب من كونها مواجهة عسكرية إلى صراع على شرعية الدولة ووحدة أراضيها، مع تصاعد مساعي قوات الدعم السريع لتشكيل حكومة موازية.

التقسيم يبدأ من دارفور.. و”سفير دولة عظمى” في خلفية المشهد
قال مناوي إن مشروع التقسيم ليس مجرد شائعة، بل أمر طُرِح عليه بشكل مباشر من قبل سفير دولة عظمى (لم يسمها) في بداية الحرب، عندما سأله عن رأيه في تشكيل ثلاث حكومات داخل السودان. هذه المعلومة تُعتبر في غاية الخطورة، إذ تكشف عن رغبة إقليمية ودولية واضحة لإعادة رسم خارطة السودان على أسس عرقية وجهوية، وهو سيناريو يهدد استقرار القرن الأفريقي بأكمله.

ويأتي حديث مناوي بالتزامن مع إعلان قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، عن تشكيل حكومة موازية في دارفور، يرأسها مجلس رئاسي يتكون من 15 عضوا، يضم شخصيات بارزة مثل عبد العزيز الحلو، زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال. هذه الخطوة – التي حذرت الأمم المتحدة سابقاً من عواقبها – تمثل فعلياً بداية مسار انفصالي تتزعمه مليشيا الدعم السريع بدعم خارجي، خاصة من دولة الإمارات التي تُتهم منذ شهور بتمويل وتسليح المليشيا وتوفير غطاء سياسي لها عبر تحركاتها في مجلس الأمن.

تواطؤ الخرطوم وتخلي المركز عن الهامش
لم يُخفِ مناوي غضبه مما وصفه بـ”تخلي بعض المسؤولين في الخرطوم عن دارفور”، مشيراً إلى أن هناك من يعتقد أن السيطرة على الجزيرة والخرطوم تكفي لاستعادة السلطة، متجاهلين أن الحرب تشتعل في مناطق الطرف منذ عقود، وأن إقليم دارفور ليس مجرد هامش جغرافي بل مركز للثروات والامتدادات السكانية العابرة للحدود.

رسالة مناوي هنا مزدوجة؛ فهو من جهة يُحمّل الخرطوم مسؤولية ترك دارفور فريسة لمشروع الدعم السريع، ومن جهة أخرى يُحذّر من أن ذلك التراخي قد يُفقد الدولة سيادتها على أهم أقاليمها. ولعل الأكثر أهمية هو التأكيد على أن التوحد بين كل القوى الرافضة لمشروع حميدتي كفيل بإسقاط الحكومة الموازية ومنع تقسيم البلاد.

لكن هذا “التوحد” لا يزال غائباً، في ظل انقسام سياسي واسع، وتحالفات هشة، واستقطاب دولي متصاعد يلعب فيه المال الإماراتي دوراً محورياً. وبحسب مصادر ميدانية وإعلامية، فإن أبو ظبي تسعى من خلال دعمها لقوات الدعم السريع إلى فرض أمر واقع سياسي يتمثل في سيطرة حميدتي على غرب السودان، مقابل إضعاف الجيش في الخرطوم، تمهيداً لتقسيم السودان فعلياً إلى ثلاث مناطق نفوذ: الشمال للجيش، الغرب للدعم السريع، والجنوب للحركة الشعبية بقيادة الحلو.

الحل في الوحدة.. لكن هل فات الأوان؟
في ظل هذه المعطيات، يُعيد تصريح مناوي تسليط الضوء على مفترق الطرق الذي يقف عليه السودان حالياً. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش والدعم السريع، لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل تحولت إلى معركة وجود على وحدة الدولة. ومع تشكيل الحكومة الموازية في دارفور، تُصبح كل خطوة نحو “الفيدرالية المسلحة” محفوفة بمخاطر الانهيار الكامل.

لكن هل لا يزال بالإمكان إنقاذ السودان؟
يرى مناوي أن توحيد الجهود السياسية والعسكرية للرافضين للتقسيم كفيل بمنع الانهيار، شريطة الاعتراف بأن دارفور وكردفان والشرق ليست أقاليم هامشية، بل محاور أساسية في مستقبل السودان. غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع معقد، تشوبه خيانات سياسية، وتدخلات إقليمية، وغياب الثقة بين الأطراف.

في المقابل، تصر الإمارات على مواصلة تدخلها عبر أدوات سياسية وعسكرية، بل وتُشجع على إنشاء نظام موازٍ بعيد عن سلطة الخرطوم، وهو ما يجعل دعوات مناوي ناقوس خطر يجب التفاعل معه إقليمياً ودولياً قبل أن يتحول السودان إلى “ليبيا جديدة” مقسّمة ومحكومة بالمليشيات.

خاتمة: دعوة أخيرة قبل الانهيار
تحذير مناوي ليس صرخة معزولة، بل صدى لحقيقة يلمسها كل سوداني في دارفور وشرق السودان وجنوبه. إن مشروع التقسيم الذي تُديره الإمارات عبر حميدتي لم يعد سراً، والخطر بات وشيكاً. أمام القوى السودانية فرصة أخيرة لوقف هذا المخطط، من خلال تجاوز الخلافات وتوحيد الصفوف في مواجهة التحالف الثلاثي: حميدتي – الإمارات – الحلو.

وإلا، فإن السودان، الذي ظل يصارع لعقود من أجل وحدته وهويته، سيكون على موعد مع التقسيم، ليس عبر مفاوضات، بل عبر أمر واقع تصنعه الحرب والدولارات.

اقرأ أيضًا : ويتكوف يُجمّل المجاعة: زيارة دعائية لغزة تفضح التواطؤ الأمريكي