تتسع دائرة الرفض الدولي والإقليمي لقرار حكومة الاحتلال الإسرائيلي الاعتراف بما يُسمّى «جمهورية أرض الصومال»، في خطوة وُصفت بأنها خرق صارخ للقانون الدولي وتهديد مباشر لاستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وسط اتهامات متزايدة لدولة الإمارات بالوقوف خلف هذا المسار كجزء من هندسة نفوذ جديدة تخدم المصالح الإسرائيلية على حساب وحدة الدول وسيادتها.

رفض أوروبي وتحذير من تقويض الاستقرار
في موقف لافت، أعلن الاتحاد الأوروبي رفضه الصريح للاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»، داعيًا إلى احترام وحدة وسيادة وسلامة أراضي الصومال. وأكد جهاز العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي أن ميثاق الأمم المتحدة والقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي ينصّان بوضوح على رفض أي خطوات أحادية من شأنها تقويض الدول المعترف بها دوليًا.
وشدّد البيان الأوروبي على أن استقرار الصومال يشكّل حجر زاوية للأمن الإقليمي في القرن الأفريقي، محذرًا من أن فتح الباب أمام مشاريع انفصالية سيؤدي إلى موجات عدم استقرار تمتد آثارها إلى البحر الأحمر وخطوط التجارة الدولية. كما دعا الاتحاد إلى حوار جاد بين الحكومة الفدرالية في مقديشو وسلطات الإقليم، ضمن الأطر الدستورية الصومالية، بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
واشنطن على الخط… وتأكيد وحدة الصومال
بالتوازي، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تمسكها بالاعتراف بوحدة الأراضي الصومالية، بما فيها إقليم «أرض الصومال»، في موقف يحدّ من الرهان الإسرائيلي على خلق اعترافات متسلسلة تُكسب الخطوة شرعية دولية. هذا التوافق الغربي النسبي يعكس قلقًا من تحوّل الاعتراف الإسرائيلي إلى سابقة تُغري قوى إقليمية بتفكيك دول هشة عبر بوابة «الأمر الواقع».
تحذير فلسطيني: تهجير تحت غطاء الاعتراف
من جهته، حذّر الرئيس الفلسطيني محمود عباس من أن الاعتراف المتبادل بين إسرائيل و«أرض الصومال» يندرج ضمن مخطط أوسع يهدف إلى فتح مسارات بديلة لتهجير الفلسطينيين، معتبرًا الخطوة مساسًا مباشرًا بالسيادة الصومالية وتهديدًا للأمن الإقليمي. وأشاد عباس بالمواقف العربية والإسلامية الرافضة، مؤكدًا دعم فلسطين للمؤسسات الشرعية الصومالية ورفضها فرض كيانات موازية بالقوة السياسية والدبلوماسية.
موقف عربي–إسلامي موحّد
وفي سياق متصل، أعلنت 21 دولة عربية وإسلامية رفضها القاطع للاعتراف الإسرائيلي، ووصفت الخطوة بأنها «سابقة خطيرة» تهدد السلم والأمن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ويُنتظر أن يعقد مجلس جامعة الدول العربية اجتماعًا طارئًا لبحث التداعيات، بالتوازي مع تحركات في مجلس الأمن الدولي بناءً على طلب مقديشو.
مقديشو تتهم… ونتنياهو في قلب العاصفة
ردًّا على الإعلان الإسرائيلي، قال رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري إن القرار يمثّل «عدوانًا مباشرًا على السيادة الصومالية»، متهمًا رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بالسعي للحصول على موطئ قدم في القرن الأفريقي والتحكم بمضيق باب المندب، أحد أهم شرايين الملاحة العالمية. وأكد أن بلاده ستواصل التحرك الدبلوماسي والقانوني لصدّ هذه الخطوة.
الدور الإماراتي… الحلقة الخفية
ورغم أن أبوظبي لم تُعلن موقفًا رسميًا مباشرًا، فإن مؤشرات عديدة تربط بين الاعتراف الإسرائيلي ومسار نفوذ إماراتي متصاعد في القرن الأفريقي. فقد نسجت الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الماضية شبكة علاقات أمنية واقتصادية مع سلطات محلية وموانئ استراتيجية، ما يثير تساؤلات حول دورها في تهيئة الأرضية السياسية لمشاريع انفصالية تخدم مصالح حلفائها.
ويرى مراقبون أن الرهان الإماراتي–الإسرائيلي المشترك يتمثل في إعادة رسم خرائط النفوذ قرب باب المندب، بما يتيح التحكم بخطوط التجارة والطاقة، وتطويق قوى إقليمية منافسة. وفي هذا السياق، يبدو الاعتراف بـ«أرض الصومال» خطوة متقدمة في مسار تطبيع جغرافي–سياسي، يتجاوز العلاقات الثنائية إلى هندسة إقليمية جديدة، على حساب وحدة الدول وحقوق الشعوب.
إلى أين تتجه الأزمة؟
مع تصاعد الرفض الدولي والتحركات الدبلوماسية، يبدو أن الاعتراف الإسرائيلي سيبقى خطوة معزولة، تصطدم بجدار القانون الدولي والإجماع الإقليمي. غير أن خطورة المشهد تكمن في الإصرار على اختبار حدود الشرعية عبر دعم مشاريع تفتيتية، ما ينذر بفتح جبهات توتر جديدة في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية. وبين تحذيرات عباس ورفض أوروبا، يبقى السؤال: هل يتوقف هذا المسار عند حدود البيانات، أم يتحوّل إلى مواجهة سياسية وقانونية تُفشل مشروعًا يُعاد فيه رسم الخرائط برعاية خارجية؟
اقرأ أيضًا : منخفض جوي جديد ينذر بكارثة إنسانية في قطاع غزة