منذ أن تصاعد الخلاف السعودي–الإماراتي في اليمن، لم تعد أبوظبي تتعامل مع الرياض بوصفها شريكًا مختلفًا في التقدير، بل بوصفها طرفًا منافسًا يجب تحجيمه. هذا التحول لم يأتِ فجأة، بل تدرّج مع شعور إماراتي متزايد بأن المشروع الذي راهنت عليه في اليمن يضيع، وأن كلفة الاستمرار فيه باتت أعلى من العائد السياسي الممكن. عند هذه النقطة، انتقلت الإمارات من محاولة فرض وقائع ميدانية إلى فتح جبهة موازية تستخدم فيها أدوات إعلامية وفكرية لضرب السعودية من الداخل، بعد أن تعذّر الحسم أمامها على الأرض.

اليمن كان لحظة الانكشاف. السعودية دخلت الحرب تحت عنوان استعادة الدولة ومنع سقوطها الكامل بيد الحوثيين، بينما تعاملت الإمارات مع الجغرافيا اليمنية باعتبارها مجال نفوذ قابل للتجزئة والإدارة عبر قوى محلية، وموانئ، وجزر استراتيجية. ومع مرور الوقت، اتضح أن الإمارات تبني نفوذا شخصيا، وتحتل الأرض عبر بعض أهلها، وتتعامل مع مناطق نفوذها كأراض إماراتية، تتعاقد باسمها وتتجسس من خلالها، وتتيحها للصهاينة لتكون جزء من المشروع الصهيوني الإماراتي في السيطرة على القرن الأفريقي ومدخل البحر الأحمر، وفي المقابل، بدأت الرياض تدرك الخطر الإماراتي المتصاعد، وتعيد النظر في مسار الحرب، وتبحث عن تسوية تُنهي الاستنزاف وتمنع انهيارًا أوسع.

هذا التباين في الاتجاهات هو ما فجّر الخلاف. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد أبوظبي تكتفي بالاختلاف الصامت، بل شرعت في مواجهة غير مباشرة هدفها إضعاف موقع السعودية السياسي والرمزي، لا فقط في اليمن، بل في مشاريعها الاستراتيجية الأوسع.

من الأرض إلى الخطاب: تغيير ميدان المواجهة

حين تعثّر المشروع الإماراتي في اليمن، لم يكن خيار التصعيد العسكري متاحًا أو مجديًا، فمازال وزن الإمارات صغيرا للغاية في مواجهة السعودية، فاختارت أبوظبي مسارًا آخر: المواجهة عبر الخطاب العام. لم يعد الهدف السيطرة على مدينة أو ميناء، بل التأثير في صورة الخصم، وتقويض مشاريعه الكبرى، وخلق انطباع دائم بعدم الجدوى والفشل.

في هذا الإطار، تحوّل مشروع نيوم إلى هدف مركزي. نيوم ليست مجرد مدينة قيد الإنشاء، بل رهان سعودي على إعادة تعريف موقع المملكة اقتصاديًا وجغرافيًا، وتخفيف اعتمادها على نموذج واحد للريادة الإقليمية. أي تشكيك واسع في هذا المشروع يضرب الرؤية التي تقف خلفه، لا فقط تفاصيله التقنية.

الهجوم على نيوم لم يأتِ في صورة نقد اقتصادي متوازن، بل في صورة بناء إعلامي متكامل يعيد إنتاج أطروحات متداولة في منصات غربية وإسرائيلية قريبة من أبوظبي، ثم يُعاد تقديمها بلسان “محلي” سعودي، بما يمنحها مظهرًا داخليًا يخفي مصدرها الحقيقي.

ومؤخرا كشفت حسابات صحفية أن موقع never neom وهو الموقع الالكتروني الأبرز في مواجهة مشرع نيوم وإبراز عيوبه والانتهاكات التي أقيم عليها، هو موقع إماراتي، ولا عجب في ذلك فالطرح الذي يتنباه الموقع هو بالضبط ما تتبناه ألسنة الإمارات اليوم.

عبدالعزيز الخميس: خطاب صهيوني بوظيفة إقليمية

في قلب هذا المشهد، يبرز عبدالعزيز الخميس بوصفه مثالًا صارخًا على هذا النمط من الاشتباك. الرجل صهيوني بامتياز فالرجل يدافع صراحة عن الصهيونية، ويتبنى أطروحاتها في ملفات المنطقة، ويكرر مضمون ما تنشره حسابات إسرائيلية معروفة، ويستعير لغتها في تناول الشأن السعودي، وخصوصًا مشروع نيوم.

اللافت ليس مجرد الدفاع عن إسرائيل، بل التطابق شبه الكامل بين ما يكتبه الخميس وما تروّجه منصات إسرائيلية أو إماراتية. هذا التطابق لا يقتصر على الأفكار العامة، بل يشمل الزوايا المختارة، والمفردات المستخدمة، والخلاصات النهائية. إلى درجة أن المتابع غير المتخصص قد يجد صعوبة في التمييز بين مصدر الطرح، إن لم يبحث في الخلفية الشخصية لصاحب الحساب.

هنا، لا يعود السؤال متعلقًا بحرية رأي أو اختلاف اجتهاد، بل بوظيفة الخطاب نفسه. حين يُهاجم مشروع سعودي بلغة تتماهى بالكامل مع منطق خصم إقليمي مباشر، وفي توقيت سياسي حساس، يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام رأي فردي، أم أمام أداء دور محدد ضمن معركة أوسع؟

الطعن من الخلف: علامة ارتباك لا قوة

استخدام أصوات محسوبة على الداخل السعودي لضرب مشاريع سعودية كبرى ليس دليل ثقة إماراتية، بل مؤشر قلق استراتيجي. الدولة الواثقة بموقعها لا تحتاج إلى العمل عبر وسطاء إعلاميين، ولا إلى نقل المعركة إلى فضاء رمزي لتفادي المواجهة المباشرة. هذا النمط من السلوك يعكس إدراكًا إماراتيًا بأن ميزان القوة يتغير، وأن استمرار الرياض في بناء بدائل اقتصادية ورمزية يهدد نموذج الهيمنة الذي راكمته أبوظبي خلال العقد الماضي.

الأخطر في هذا المسار أنه يؤدي إلى حرق الأدوات. فالصوت الذي يُستخدم اليوم لتقويض مشروع سعودي يفقد صدقيته فور انكشاف تموضعه السياسي، ويتحول من “محلل” إلى أداة. ومع تكرار هذا النمط، لا تُضعف الإمارات خصمها بقدر ما تكشف حدود نفوذها، وتعري أسلوب عملها القائم على المناورة لا على الشراكة.

اليمن ونيوم: مساران لنهج واحد

ما يربط بين اليمن ونيوم ليس الملف بحد ذاته، بل الطريقة التي تُدار بها المعركة. في اليمن، حاولت الإمارات فرض نفوذها عبر قوى محلية ومشاريع تفكيك، وحين فشل الرهان، انتقلت إلى تعطيل أي مسار يعيد للسعودية زمام المبادرة. وفي الاقتصاد، تحاول اليوم تقويض المشروع السعودي الذي يهدد موقعها الإقليمي.

في الحالتين، الهدف واحد: منع الرياض من تحقيق إنجاز يعيد ترتيب موازين القوة. لكن الفرق أن السعودية، رغم كل ما تواجهه، ما زالت تمتلك عناصر دولة قادرة على امتصاص الضربات أما الإمارات، فتعتمد على شبكة علاقات ونفوذ هشّة، تتعرض للاهتزاز كلما تغيّرت الظروف الدولية أو انكشف الدور الحقيقي الذي تلعبه.

خلاصة: حين يكشف الهجوم ضعف المهاجم

الهجوم على نيوم بلسان سعودي ذي توجه صهيوني يكشف أزمة الطرف الذي يهاجم. فالانتقال من الشراكة إلى الطعن من الخلف، ومن إدارة الخلاف إلى تفجير الحملات الإعلامية، هو علامة على فقدان الثقة بالقدرة على المنافسة المباشرة.

ما يجري اليوم ليس نقاشًا حول مدينة أو مشروع، بل صراع على المكانة والرمز في منطقة تعيد تشكيل نفسها. والإمارات، وقد تعثّر مشروعها في اليمن، تحاول تعويض ذلك عبر إضعاف الخصم من الداخل.