في خطوة تكشف عن تشابك المصالح بين القوى الأجنبية في القارة الإفريقية، توجه رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى، فوستان أرشانج تواديرا، إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي لبحث اتفاق سري يهدف إلى تمويل عمليات “فيلق إفريقيا” الروسي، التشكيل الجديد الذي حلّ محلّ مجموعة “فاغنر” سيئة السمعة. ووفقًا لتقارير غربية متقاطعة، فإن أبوظبي تسعى من خلال هذا التحالف لتأمين موطئ قدم عسكري ولوجستي في قلب القارة، مقابل دعمٍ مالي وتقني للفيلق الروسي الذي يعمل لصالح الكرملين في مناطق النزاعات الإفريقية.

تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الاتهامات الدولية للإمارات بدعم مليشيا “الدعم السريع” في السودان، عبر شبكة تهريب معقدة تمتد من ليبيا وتشاد إلى دارفور، الأمر الذي يعيد تسليط الضوء على تورط أبوظبي في تأجيج الحروب بالوكالة في القارة السمراء.

المحور الأول: فيلق إفريقيا.. نسخة روسية جديدة من فاغنر

منذ انهيار هيكل “فاغنر” عقب تمردها المسلح عام 2023 ومقتل زعيمها يفغيني بريغوجين، سعت موسكو إلى إعادة تشكيل نفوذها العسكري في إفريقيا تحت مسمى جديد هو “فيلق إفريقيا” (Africa Corps)، الذي يخضع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية. ويضم هذا الفيلق آلاف المرتزقة الروس والمتعاونين المحليين، ويتمركز في دول مثل مالي، والنيجر، وجمهورية إفريقيا الوسطى، حيث يقدّم خدمات أمنية للنظم الحاكمة مقابل امتيازات اقتصادية ضخمة في مجالات التعدين والذهب والماس.

تُعد جمهورية إفريقيا الوسطى إحدى أهم قواعد هذا الفيلق الجديد، إذ يعتمد نظام تواديرا على الدعم الروسي للبقاء في السلطة منذ عام 2018، بعدما فشلت القوات الأممية والإفريقية في السيطرة على المتمردين. وقد سمحت بانغوي لروسيا ببناء قواعد عسكرية دائمة وتعيين مستشارين أمنيين داخل القصر الرئاسي، مقابل توفير الحماية الشخصية للرئيس واحتكار بعض مناجم الذهب والماس لصالح شركات روسية مثل “Lobaye Invest”.

المحور الثاني: الإمارات.. ممول الحروب بالوكالة

زيارة تواديرا إلى أبوظبي تثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الإمارات وروسيا في إفريقيا، خاصة بعد تزايد الأدلة على تورط أبوظبي في تمويل وتسليح أطراف نزاع متعددة في القارة.

ففي السودان، اتهمت تقارير أممية وإعلامية دولة الإمارات بتزويد مليشيا الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بشحنات أسلحة عبر قواعد لوجستية في ليبيا وتشاد. كما كشفت تحقيقات “دارك بوكس” و”الغارديان” عن شبكة نقل جوية سرية تُدار من مطار بوصاصو في الصومال، بإشراف إماراتي مباشر، لنقل المرتزقة والسلاح إلى غرب السودان.

وفي ضوء هذه الاتهامات، يُرجح أن تكون أبوظبي قد وجدت في إفريقيا الوسطى موقعًا مثاليًا لإنشاء “مركز لوجستي” بديل، يدعم خطوط الإمداد نحو مليشيا الدعم السريع. فموقع البلاد الجغرافي، المتاخم لكل من السودان وتشاد وجنوب السودان، يجعلها نقطة عبور مثالية لإدارة الحرب بالوكالة من قلب القارة الإفريقية.

المحور الثالث: صفقة النفوذ والذهب والدماء

تشير تقديرات مراقبين إلى أن صفقة تواديرا – أبوظبي تقوم على تبادل المصالح:

  • من جهة، يحصل الرئيس الإفريقي على دعم مالي من الإمارات يتيح له تمويل جيشه وشراء ولاءات داخلية في مواجهة المعارضة المسلحة.

  • ومن جهة أخرى، تضمن الإمارات لنفسها قناة تأثير مزدوجة عبر الفيلق الروسي الذي يسيطر على مناجم الذهب، ما يمنحها منفذًا مباشرًا إلى الموارد الطبيعية مقابل تمويل العمليات العسكرية الروسية.

    ويرى خبراء أن موسكو تغض الطرف عن هذه الترتيبات، لأنها تتيح استمرار وجودها في القارة من دون أعباء مالية مباشرة، بينما تستخدم الإمارات هذه العلاقات لتوسيع نفوذها الجيوسياسي وتثبيت أذرعها في مناطق النزاع، كما فعلت في اليمن وليبيا والسودان.

    الصفقة إذن ليست مجرد دعم سياسي، بل شبكة مصالح معقدة تُدار عبر المال والسلاح والمناجم والمرتزقة.

المحور الرابع: تداعيات أمنية وإنسانية خطيرة

تحول إفريقيا الوسطى إلى قاعدة دعم لوجستي لعمليات السودان ينذر بتوسيع رقعة الحرب في القرن الإفريقي والساحل. إذ إن وجود الإمارات كفاعل تمويلي وروسيا كفاعل عسكري سيؤدي إلى مضاعفة تهريب السلاح عبر الحدود، وتغذية صراعات إثنية ومناطقية جديدة.

كما أن هذه الشراكة قد تُعيد إنتاج نمط “الاستعمار بالوكالة” في القارة، حيث تُدار الموارد الإفريقية لصالح قوى خارجية مقابل حماية أنظمة فاسدة وضعيفة.

وبينما تتحدث أبوظبي عن “مساعدات إنسانية” للسودان، تُظهر الوقائع أن مساعداتها الحقيقية تُقدم لمليشيات ارتكبت جرائم ضد المدنيين، وأنها توظف ثرواتها النفطية لتأجيج النزاعات لا لإطفائها.

الخاتمة: عودة أشباح الحرب الباردة بثوب إماراتي

إن تحركات الإمارات في إفريقيا الوسطى ليست سوى فصل جديد من مشروعها للتغلغل في القارة عبر المال والمليشيات والذهب. ومن خلال تمويل “فيلق إفريقيا” الروسي واستخدام بانغوي كمنصة لإمداد مليشيا الدعم السريع، تكرّس أبوظبي صورتها كـ”تاجر حروب” لا كشريك إنساني.

وفي الوقت الذي تعاني فيه شعوب السودان ودارفور من الجوع والنزوح والدمار، تواصل الإمارات الاستثمار في الفوضى، مؤكدة أن مصالحها لا تُقاس بعدد الأرواح التي تُزهق، بل بعدد المناجم التي تُفتح والأنظمة التي تُشترى.

وهكذا تتقاطع في إفريقيا اليوم خيوط الذهب الروسي والدولارات الإماراتية، لتنسج خريطة جديدة من الدم والنفوذ، عنوانها: “الإمارات.. من المساعدات إلى الإجرام العابر للقارات.”

اقرأ أيضًا : إسرائيل تبدأ مناورات عسكرية واسعة في الضفة.. واستمرار التنسيق الأمني يثير الغضب الفلسطيني