تشهد جزيرة سقطرى خلال الأيام الأخيرة تحولات لافتة في طبيعة الوجود الإماراتي، بعد سنوات من الهيمنة المباشرة وغير المباشرة على مفاصل حيوية داخل الأرخبيل. فبحسب معطيات ميدانية، بدأت أبوظبي بشكل تدريجي إيقاف الأنشطة والخدمات التي كانت تشرف عليها في مدينة حديبو، عاصمة المحافظة، وفي مقدمتها قطاع الكهرباء والطاقة، إضافة إلى قطاعات خدمية أخرى لعبت دورًا محوريًا في ترسيخ نفوذها المحلي.
اللافت في هذا التطور ليس فقط وقف الخدمات، بل تزامنه مع سحب الحراسات الأمنية الإماراتية من المؤسسات الحكومية والمدنية، في خطوة تعكس رفع الغطاء الأمني عن مواقع كانت تُدار فعليًا خارج سلطة الدولة اليمنية، وتخضع لنفوذ مباشر أو عبر وكلاء محليين موالين لأبوظبي.

تفكيك البنية الخدمية التابعة لأبوظبي
عملية الانسحاب لم تقتصر على إيقاف التمويل أو التشغيل، بل شملت تفكيكًا منظمًا للبنية التي أنشأتها الإمارات خلال السنوات الماضية. فقد توقفت شركة إماراتية كانت تحتكر قطاع الوقود في الجزيرة عن العمل، باستثناء مادة الديزل، كما جرى سحب المعدات والآليات من المؤسسات التعليمية والخدمية، بما في ذلك باصات نقل الطلاب وونشات الكهرباء.
وفي قطاع الصحة، تم إخلاء المستشفى الحكومي في حديبو من الكوادر والمعدات التي كانت تديرها شركة إماراتية، قبل تسليمه للسلطات المحلية، في مشهد يعكس نهاية مرحلة كان فيها هذا المرفق الحيوي أداة نفوذ سياسي وإنساني في آن واحد.
سقطرى بين النفوذ الإماراتي والمشروع الانفصالي
لا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن الدور الإماراتي في دعم الميليشيا الانفصالية جنوب اليمن، التي شكلت الذراع المحلية لأبوظبي في فرض واقع سياسي وأمني موازٍ للدولة. فمنذ سنوات، عملت الإمارات على تعزيز نفوذ هذه التشكيلات، سياسيًا وعسكريًا، وربطت بها مؤسسات خدمية وأمنية في سقطرى، في محاولة لانتزاع الجزيرة من محيطها الوطني وتحويلها إلى ورقة ضغط جيوسياسية.
لكن تراجع حضور هذه الميليشيا في عدد من المناطق، وتآكل قدرتها على فرض السيطرة، انعكس مباشرة على الوجود الإماراتي، الذي بدا وكأنه مرتبط بقوة هذا المشروع الانفصالي، لا باستقرار مؤسسات الدولة أو مصالح السكان.
محاولات سحب المعدات… وصدام صامت
ضمن مشهد الانسحاب، برزت محاولات إماراتية لمصادرة مولدات كهربائية من محطة الطاقة في حديبو، وهو ما قوبل برفض من حراسة المنشأة، في مؤشر على تغير ميزان القوة داخل الجزيرة. هذا الصدام الصامت يعكس إدراكًا محليًا متزايدًا بأن مرحلة الهيمنة الخارجية آخذة في التراجع، وأن ما كان يُدار بمنطق الأمر الواقع لم يعد مقبولًا أو ممكنًا.
الدور السعودي وملء الفراغ
في مقابل هذا التراجع الإماراتي، برز الدور السعودي بشكل أوضح في سقطرى، سواء عبر استئناف الخدمات الطبية، أو تشغيل محطات الكهرباء، أو إطلاق جسر جوي وبحري لتأمين المشتقات النفطية والغاز المنزلي والمساعدات الغذائية. هذا الحضور يعكس محاولة لملء الفراغ الخدمي، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على صراع النفوذ داخل التحالف نفسه، حيث تتباين الأجندات بين الرياض وأبوظبي، خصوصًا فيما يتعلق بمستقبل جنوب اليمن ووحدته.
رسائل سياسية تتجاوز سقطرى
الانسحاب الإماراتي من سقطرى لا يمكن فصله عن قرارات مشابهة اتخذتها شركات إماراتية في عدن وشبوة، تمثلت في إطفاء محطات الطاقة الشمسية بشكل مفاجئ ودون تنسيق، ما تسبب بأزمات كهرباء حادة. هذه الخطوات توحي بأن أبوظبي تستخدم الأدوات الخدمية كورقة ضغط سياسية، سواء للرد على تراجع نفوذ حلفائها المحليين، أو لإعادة ترتيب مواقعها التفاوضية.
هل هي نهاية الدور الإماراتي؟
رغم مظاهر الانسحاب، يصعب الجزم بأن ما يجري يمثل نهاية كاملة للدور الإماراتي في سقطرى. فالأرجح أن الأمر يتعلق بإعادة تموضع، أو تقليص حضور مباشر بعد أن أصبح مكلفًا سياسيًا وأمنيًا، مع الإبقاء على قنوات تأثير غير معلنة عبر وكلاء محليين وشبكات مصالح اقتصادية.
غير أن المؤكد أن مرحلة السيطرة السلسة التي تمتعت بها الإمارات في الأرخبيل قد انتهت، وأن دعمها للميليشيا الانفصالية لم يعد يوفر الغطاء الكافي لفرض واقع منفصل عن الدولة اليمنية.
سقطرى أمام مفترق طرق
اليوم، تقف سقطرى أمام مفترق طرق حقيقي: إما استعادة دورها ضمن الدولة اليمنية ومؤسساتها، أو التحول مجددًا إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي. وما سيحسم هذا المسار ليس فقط طبيعة التدخلات الخارجية، بل قدرة السلطات المحلية على إدارة المرحلة الانتقالية، وحماية الجزيرة من مشاريع التفكيك التي عانت منها لسنوات تحت عناوين الدعم والإغاثة، بينما كانت في جوهرها أدوات للهيمنة والسيطرة.
اقرأ أيَصا : محكمة تونسية تسجن صحفيَّين معارضَين في قضايا مالية وسط انتقادات حقوقية