تجدّدت المواجهات الدامية في السودان، مع تصعيد غير مسبوق في استخدام الطائرات المسيّرة من قِبل قوات الدعم السريع المدعومة إماراتياً، والتي شنّت اليوم الأحد سلسلة من الهجمات الجوية على مناطق شرق الخرطوم وشمال البلاد، فيما صدّ الجيش السوداني هجوماً واسعاً لتلك القوات في مدينة الفاشر غرب البلاد.

هذا التصعيد يعكس استمرار الحرب التي تمزّق السودان منذ أكثر من عام ونصف، ويؤكد أن الدعم الخارجي – وعلى رأسه الإمارات – يواصل تغذية أتون الصراع عبر تزويد قوات محمد حمدان دقلو “حميدتي” بالسلاح والتمويل، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية في دارفور والعاصمة.

المسيّرات تضرب شرق الخرطوم والدبّة شمالاً

بحسب مراسل الجزيرة أسامة سيد أحمد، نفّذت قوات الدعم السريع فجر اليوم هجوماً بطائرات مسيّرة على قرية “عد بابكر” وقرى مجاورة بمحافظة شرق النيل شرقي الخرطوم. واستهدفت إحدى المسيّرات منزلاً سكنياً، ما أسفر عن مقتل طبيب وابنه وإصابة اثنين آخرين، وسط حالة من الذعر بين الأهالي إثر دويّ انفجارات متتالية.

وأكدت مصادر محلية أن مسيّرتين شاركتا في القصف، في مشهد بات مألوفاً منذ أن وسّعت قوات حميدتي عملياتها الجوية خلال الأشهر الماضية. ونشر ناشطون صوراً تُظهر حريقاً هائلاً يلتهم أحد المنازل المستهدفة، بينما حاول السكان إخماد النيران بإمكاناتهم المحدودة.

وفي تطور متزامن، استهدفت قوات الدعم السريع مدينة “الدبة” في الولاية الشمالية بمسيّرات انقضاضية، في محاولة جديدة لضرب مواقع الجيش. ووفق ما نقل مراسل الجزيرة عن مسؤولين محليين، فقد أصابت إحدى الطائرات مبنى كلية الهندسة في المدينة، ما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة آخرين بجروح متفاوتة.

ويؤكد مراقبون أن هذا النوع من المسيّرات يحمل بصمة إماراتية واضحة، إذ سبق أن وثّقت تقارير استخبارية استخدام الدعم السريع لطائرات صُنعت أو عُدّلت في ورش داخل ليبيا بتمويل إماراتي، قبل نقلها إلى السودان عبر الحدود الغربية.

الفاشر.. المدينة المحاصرة تقاوم

في غرب السودان، تجددت المعارك العنيفة في مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، التي تخضع لحصار خانق تفرضه قوات الدعم السريع منذ مايو/أيار 2024. وأفاد مراسل الجزيرة بأن الجيش السوداني والقوات المشتركة تمكّنا من صدّ هجوم كبير شنّته قوات حميدتي على مقر السلاح الطبي بالمدينة، وهو موقع استراتيجي يحاول المتمرّدون السيطرة عليه منذ شهور.

وقال مصدر عسكري إن الجيش دمّر كامل القوة المهاجمة، بينما استهدفت المدفعية التابعة للدعم السريع الأحياء السكنية مجدداً، ما تسبب في موجة نزوح جديدة داخل المدينة التي تعاني من نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه.

وتتواصل الاشتباكات بالأسلحة الثقيلة والمسيّرات، وسط تحذيرات منظمات إنسانية من “كارثة وشيكة” إذا استمرت الفاشر تحت الحصار في ظل انقطاع المساعدات.

وتتهم الحكومة السودانية قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب في دارفور، تشمل القتل العشوائي للمدنيين والاغتصاب والنهب، فيما وثّقت منظمات دولية عمليات استهداف متكرر لمخيمات النازحين والمستشفيات، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من تصاعد عمليات “التطهير العرقي” في الإقليم.

الإمارات.. المموّل الخفي للحرب

رغم النفي الرسمي المتكرر، تشير معظم التقارير الغربية إلى أن الإمارات لعبت دوراً محورياً في إطالة أمد الحرب من خلال دعم قوات الدعم السريع مالياً ولوجستياً.

فقد كشفت تقارير أممية أن شحنات من الطائرات المسيّرة وصلت إلى قوات حميدتي عبر مسارات معقدة تمر من ليبيا وتشاد، بتمويل إماراتي مباشر. وتحدثت مصادر دبلوماسية عن تورّط شركات أمنية خاصة مقرّها أبوظبي في تدريب عناصر الدعم السريع على تشغيل المسيّرات الحديثة.

ويرى محللون أن الدعم الإماراتي لا يهدف فقط إلى تمكين حميدتي عسكرياً، بل إلى ضمان نفوذ استراتيجي في قلب السودان الغني بالذهب والموقع الجغرافي المهم المطل على البحر الأحمر، وهو ما يتقاطع مع مصالح اقتصادية وعسكرية طويلة الأمد للإمارات في المنطقة.

وقد سبق لتقارير “وول ستريت جورنال” و”بلومبيرغ” أن تحدثت عن خطوط تمويل سرية تمر عبر ميناء بربرة في الصومال وإريتريا لنقل السلاح إلى الدعم السريع، مما يجعل الإمارات في قلب الاتهامات الدولية بتأجيج النزاع السوداني على حساب أرواح المدنيين.

حرب الاستنزاف.. ومأساة إنسانية تتسع

منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل/نيسان 2023، قُتل أكثر من 20 ألف شخص وفق الأمم المتحدة، بينما تُقدّر دراسات مستقلة عدد القتلى الحقيقي بنحو 130 ألفاً، نتيجة الهجمات الجوية والمعارك الدموية في الخرطوم ودارفور وكردفان.

كما أدت الحرب إلى نزوح ولجوء نحو 15 مليون سوداني، ما يجعلها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم اليوم.

ويرى مراقبون أن استمرار الحرب بهذه الوتيرة يؤكد غياب الإرادة الإقليمية والدولية لوقفها، إذ تواصل القوى الخارجية – وعلى رأسها الإمارات – الاستثمار في الفوضى السودانية لتعزيز مكاسبها الاقتصادية والسياسية، بينما يدفع الشعب السوداني الثمن الباهظ في الأرواح والمستقبل.

خاتمة: حربٌ تُدار بالوكالة

الهجوم الأخير بالطائرات المسيّرة يكرّس واقعاً جديداً في الصراع السوداني: حرب تُدار بالوكالة، يتواجه فيها جيش وطني يُحاول حماية ما تبقّى من الدولة، مع مليشيا تتغذى على الدعم الخارجي وتستمد قوتها من المال والسلاح الأجنبي.

ومع كل غارة جديدة، يتأكد أن الحل السياسي يبتعد أكثر، وأن الخرطوم والفاشر والدبّة ليست سوى ساحات اختبار لطموحات إقليمية، في مقدمتها طموحات أبوظبي التي حولت الحرب إلى أداة نفوذ في قلب إفريقيا.

اقرأ أيضًا : المقـ.ـاومة تتخلص من عملاء الاحتلال وتطهر غزة من العصابات