في مشهد يعكس تصاعد التوترات داخل البيت الخليجي، كشفت مصادر مطلعة لـ”العدسة” أن حكومة الإمارات العربية المتحدة تقود حملة منسقة جديدة تستهدف كلًا من قطر والسعودية داخل أروقة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وكذلك ضمن مفوضية الاتحاد الإفريقي. وتُظهر الأدلة أن أبوظبي تعمل على تجنيد منظمات مجتمع مدني أفريقية، وتوظيف نشطاء ودبلوماسيين سابقين، لشن هجمات ممنهجة بالتزامن مع دورات مجلس حقوق الإنسان القادمة في جنيف، خاصة في يونيو وسبتمبر 2025.
التقرير التالي يستعرض تفاصيل الجهات الفاعلة، شبكات التمويل، المنصات التي تُستخدم في تنفيذ هذه الحملة، والأهداف السياسية للإمارات من هذا التصعيد الجديد، الذي لم يقتصر على قطر وحدها كما في السابق، بل بات يشمل حليفتها السابقة السعودية، في مؤشر واضح على احتدام التنافس بين الطرفين على النفوذ في إفريقيا والمنظمات الدولية.
التحضير لحملة جنيف: خارطة طريق واضحة ودفع مالي مسبق
وفقًا لمصادر دبلوماسية في جنيف وباريس، فإن الإمارات أعدت خطة منسقة لتكثيف الهجمات الحقوقية ضد قطر والسعودية داخل مجلس حقوق الإنسان خلال دورتين مرتقبتين:
• الدورة 59 في يونيو 2025: ستشهد مداخلات شفوية مكتوبة، وتوزيع تقارير مفبركة حول أوضاع حقوق الإنسان في قطر والسعودية، خاصة فيما يتعلق بحرية التعبير والعمالة الوافدة.
• الدورة 60 في سبتمبر 2025: ستكون ذروة الحملة، حيث يتم التخطيط لإطلاق فعاليات جانبية كبيرة تتضمن شهادات لشهود “مزيفين”، وتنظيم مؤتمرات صحفية، وندوات على هامش الجلسات، بدعوى من منظمات غير حكومية أفريقية تمت صناعتها خصيصًا لهذا الدور.
من أبرز المنظمات التي ستقود هذه الفعاليات:
1. منظمة اللقاء الأفريقي للدفاع عن حقوق الإنسان (RADDHO)
• يقودها حاليًا نيشكارش سينغ، وهو شخصية أثارت الجدل بعد انكشاف حصول المنظمة على تمويل مباشر من جهات مرتبطة بالسفارة الإماراتية في جنيف بلغ أكثر من 500,000 يورو.
• ويذكر أن هذه المنظمة لعبت دورًا محوريًا في الهجوم على قطر خلال السنوات الماضية، حيث ألقى نيشكارش سينغ في دورة سابقة للمجلس، مداخلة علنية ضد قطر مستعينا بتقارير أعدتها مراكز بحثية مأجورة، ويحضّر النظام الإماراتي لتكرار هذا النموذج في الدورة 60 ضد كل من الدوحة والرياض.
2. اتحاد توموكو الإنمائي والثقافي (TACUDU)
• منظمة مقرها غرب إفريقيا، يرأسها فضل أور رحمن أفريدي، الذي أبرم اتفاقًا مع وسطاء إماراتيين لتوظيف منظمته في الحملة السياسية، هذه المنظمة كانت أقل حظا حيث حصلت على تمويل يقدر بـ 350,000 يورو مخصص لاستهداف قطر، وأدرج لاحقًا ملف السعودية ضمن خطة العمل القادمة.
• ستتولى تنظيم ندوة خلال دورة سبتمبر، يتم فيها استضافة “شهود” من جنسيات آسيوية وأفريقية يزعمون أنهم عمال تعرضوا لانتهاكات في السعودية وقطر، وفق نصوص مكتوبة لهم مسبقًا.
3. الشبكة الدولية لحقوق الإنسان (INHR)
تُعد “الشبكة الدولية لحقوق الإنسان” (INHR) واحدة من الواجهات التي توظفها الإمارات في حملتها الممنهجة لتشويه خصومها، خاصة قطر والسعودية، داخل المنابر الدولية. ورغم أنها تقدم نفسها كمنصة تجمع “دبلوماسيين وخبراء سابقين”، فإن طبيعة أنشطتها وتكوينها الداخلي تكشف عن وظيفة أكثر شبهًا بغرف العلاقات العامة السياسية منها إلى منظمة حقوقية مستقلة.
من بين الشخصيات الرئيسية المنخرطة في هذه الشبكة، يبرز اسم بيرو دياوارا، القادم من غينيا، وهو من القدامى في الدوائر الحقوقية والدبلوماسية الإفريقية، ويُعرف بعلاقاته المتشعبة داخل الوفود الأفريقية في الأمم المتحدة. دياوارا لعب دورًا مركزيًا في تعبئة الدعم داخل المجموعة الإفريقية لصالح مواقف متطابقة مع الأجندة الإماراتية، مستغلًا خلفيته كـ”ممثل للمجتمع المدني الإفريقي” لتوفير غطاء قاري مزيف لخطاب سياسي موجّه.
كذلك، انضم إلى الشبكة كليمان فول، المقرر الأممي السابق من توغو، بعد انتهاء ولايته في 2024، ليمنح هذه الكتلة واجهة مؤسساتية تُستغل لتضليل المشاركين في الجلسات الأممية، وخلق انطباع بأن الانتقادات الموجهة لخصوم الإمارات تأتي من جهات “ذات صفة أممية” سابقة. هذا الدور تحديدًا يُستخدم بكثافة في فعاليات جنيف، خاصة مع التحضير لفعالية سبتمبر المرتقبة.
أما إريك ن. ريتشاردسون، الدبلوماسي الأمريكي السابق، فيُعرف داخل الأوساط الحقوقية بأنه حلقة الوصل مع الصحافة الدولية، ويُستخدم لصياغة البيانات وتصميم الخطاب بما يتلاءم مع مزاج الإعلام الغربي، لإعطاء الحملة الإماراتية غطاءً شكليًا من “الاحتراف الحقوقي”.
وجود هذه الشخصيات، وإن بدا ظاهريًا محايدًا، لا يخفي حقيقة أنها تُستخدم كأدوات ناعمة لتسويق مواقف سياسية مغرضة. لا يمكن اعتبارهم نشطاء حقوقيين أو مدافعين مستقلين، بل مجرد واجهات تموّل وتُوجه لإعطاء مصداقية شكلية لحملة عدائية تفتقر إلى المعايير الأخلاقية والحقوقية الأصيلة.
نفس التكتيك في الاتحاد الإفريقي: ساحة جديدة للهجوم
بالتوازي مع جبهة جنيف، تعمل الإمارات على توسيع ساحة المواجهة لتشمل مفوضية الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا. ووفق معلومات موثوقة، تم تكليف نفس الشبكة المدنية – RADDHO وTACUDU – بتنظيم فعاليات داخل مؤتمرات إقليمية أفريقية نهاية هذا العام، تستهدف قطر باعتبارها “مُتدخلة في شؤون القارة” والسعودية باعتبارها “شريكًا في التحالفات العسكرية الفاشلة”، على حد وصف وثيقة تم تسريبها من اجتماع مغلق بين مسؤولين إماراتيين ومنظمات مدنية.
وقد شجّع النظام الإمارتي على هذا التوجه تصاعد الحضور السعودي في إفريقيا مؤخرًا، إذ قام نائب وزير الخارجية السعودي بزيارة ست دول أفريقية خلال الشهرين الماضيين، في حين ردّت الإمارات بإرسال وزير الدولة إلى سبع دول أفريقية، منها جمهورية إفريقيا الوسطى، في استعراض دبلوماسي واضح.
الأدوات الإماراتية: أموال، وسطاء، ومنابر أممية
في قلب الحملة الإماراتية الممنهجة التي تستهدف قطر والسعودية داخل أروقة مجلس حقوق الإنسان، تقف شبكة من الأدوات البشرية والمالية والإعلامية، تُستخدم بشكل مدروس لتحقيق أهداف سياسية عبر غطاء “حقوقي” مزيف. هذه الأدوات لا تعمل بشكل عشوائي، بل تُدار من غرفة عمليات مركزية، تبدأ من أبوظبي، وتمتد فروعها عبر وسطاء ونشطاء مدفوعي الأجر، وصولًا إلى اللافتات والشعارات داخل قاعات الأمم المتحدة.
في مقدمة هذه الشبكة يبرز اسم عيسى العربي، ناشط بحريني يُعرف بقربه الوثيق من أجهزة الأمن الإماراتية، ويُعتبر منذ عام 2017 الذراع التنفيذية للتمويل الإماراتي داخل جنيف. عيسى العربي ليس مجرد وسيط مالي، بل يُدير شبكة علاقات مع منظمات غير حكومية أفريقية وعربية حاصلة على الصفة الاستشارية في الأمم المتحدة، ويقوم بتوزيع التمويل المقدم من السفارة الإماراتية في جنيف بشكل منتظم، تحت لافتات “دعم العمل الحقوقي في إفريقيا”، بينما الحقيقة أن الأموال تُستخدم لتوجيه المداخلات والفعاليات ضد خصوم أبوظبي، خصوصًا قطر، والآن تُضاف إليها السعودية.
إلى جانب العربي، يبرز أحمد الهاملي، ضابط إماراتي سابق في جهاز الأمن، تولّى إدارة ما يُعرف بـ”الفيدرالية العربية لحقوق الإنسان”، والتي كانت في 2017 رأس الحربة في الحملة الأولى ضد قطر. الهاملي هو أيضًا مدير مركز “ترندز” للبحوث في أبوظبي، الذي تحول إلى منصة ناعمة لتمرير أجندة الإمارات الإعلامية والبحثية إلى المؤسسات الدولية. وفق مصادر وثيقة الصلة، فإن الهاملي لا يزال العقل المدبر لهذه الحملات، ويقود التنسيق الحالي لتوسيع نطاق الاستهداف ليشمل السعودية، في ظل تصاعد التنافس معها في إفريقيا والمنابر الأممية.
الهاملي، بشبكته الإعلامية والدبلوماسية، يتكفل بتوفير البنية “التحليلية” التي تعتمد عليها المنظمات المدفوعة، حيث تُزوَّد تلك الجهات بتقارير جاهزة وملفات مُعدّة مسبقًا، لتقديمها خلال فعاليات مجلس حقوق الإنسان، وادعاء أنها ناتجة عن “مراقبة ميدانية”. هذه التقارير غالبًا ما تكون عبارة عن إعادة صياغة لاتهامات إعلامية، لكنها تُقدّم داخل الأمم المتحدة بوصفها نتائج حقوقية موضوعية.
ولعلّ أكثر ما يفضح زيف هذه الحملة هو استخدام لاجئين أفارقة في جنيف كأدوات استعراضية، إذ تؤكد تقارير مسربة أن الإمارات قامت في أكثر من مناسبة بدفع أموال مباشرة لمهاجرين وطالبي لجوء أفارقة لتنظيم وقفات احتجاجية مفبركة ضد قطر، بما في ذلك تظاهرات أمام مقر الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية. بعض هؤلاء تم إغراؤهم بمبالغ رمزية مقابل رفع لافتات باللغة الإنجليزية تتهم قطر بانتهاك حقوق العمال، بينما لا يتحدث بعضهم أصلًا اللغة التي كُتبت بها شعاراتهم.
ويبدو أن هذا التكتيك سيتكرر مجددًا في جلسة سبتمبر 2025، لكن هذه المرة مع إدخال السعودية إلى دائرة الاتهام. تشير مصادر داخل جنيف إلى أن الإمارات تستعد لجلب مجموعة جديدة من “الشهود”، من جنسيات أفريقية وآسيوية، ممن سبق لهم العمل في دول الخليج، ليظهروا في الندوات على أنهم “ضحايا” لانتهاكات في قطر والسعودية. الهدف من هذه المسرحيات ليس تحسين الواقع الحقوقي، بل إنتاج مادة دعائية تبثها وسائل الإعلام المقربة من أبوظبي لخلق زخم دولي وهمي ضد الدول المستهدفة.
تتكامل هذه الأدوات لتُنتج آلة ضغط متكاملة تُدار من وراء الكواليس: تمويل منظم، توظيف سياسي لمنظمات “حقوقية”، استغلال للاجئين، وشبكة إعلامية مساندة، تُستخدم جميعها لخلق صورة مضللة عن خصوم الإمارات في المؤسسات الدولية، بينما تبقى الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها أبوظبي نفسها خارج دائرة الضوء، بفضل هذه الشبكة المصممة لتشتيت الأنظار وصناعة روايات مزيفة.
إن خطورة هذه الأدوات لا تكمن فقط في انحرافها عن العمل الحقوقي النبيل، بل في تحويل مؤسسات الأمم المتحدة إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية بأدوات مموّهة، وهي ممارسة تُهدد نزاهة المنظومة الأممية ذاتها.
ما وراء الحملة.. الأهداف الإماراتية الحقيقية
الحملة الإماراتية المنظمة ضد كل من قطر والسعودية لا تُنفذ فقط بدوافع ظرفية أو تكتيكية، بل تمثل جزءًا من استراتيجية أوسع تسعى من خلالها أبوظبي إلى إعادة رسم موازين التأثير الإقليمي والدولي، عبر أدوات ناعمة لكنها تحمل آثارًا عميقة على صورة خصومها ومكانتهم في المنابر الأممية.
أحد الأهداف الأساسية لهذه الحملة هو تشويه السمعة الدولية لكل من قطر والسعودية، خاصة في المحافل التي تحظى باهتمام أوروبي وأفريقي متزايد. تُركّز الإمارات على تصدير رواية مضادة لهاتين الدولتين، تزعم فيها وجود انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان، لا سيما فيما يتعلق بملف العمالة الوافدة وحرية التعبير. ومن خلال تقديم هذه الروايات داخل أروقة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تحاول الإمارات أن تضع خصومها في موقف دفاعي دائم، وتُفقدهم بذلك القدرة على المبادرة في صياغة السياسات الحقوقية أو الترويج لمبادراتهم التنموية في إفريقيا.
في المقابل، تسعى الإمارات إلى حرف الأنظار عن سجلها الداخلي المروع في مجال حقوق الإنسان، والذي يواجه انتقادات واسعة من منظمات دولية بسبب الاعتقالات التعسفية، القمع الممنهج للنشطاء، وتقييد الحريات العامة، بالإضافة إلى الأثر الإماراتي الكارثي في تأجيج الحروب الأهلية في المنطقة ودعم المليشيات المسلحة، لزعزعة استقرار الدول، وبدلاً من معالجة هذه القضايا أو الدخول في حوار حقوقي حقيقي، اختارت الإمارات منهجًا معاكسًا: الهجوم على الآخرين كوسيلة لصرف الانتباه عن تجاوزاتها. إن الانشغال بملفات خصومها، مهما كانت مفبركة أو مضخّمة، يسمح لأبوظبي بتحقيق “توازن دعائي” يخفي حقيقة سجلها المتدهور.
كما يظهر بوضوح أن هذه الحملة تسعى إلى إضعاف النفوذ السعودي والقطري المتزايد في القارة الإفريقية، حيث يشكّل هذا التمدد مصدر قلق لأبوظبي، التي لطالما حاولت احتكار النفوذ الخليجي هناك. عبر الضغط الحقوقي، تأمل الإمارات في إفقاد قطر والسعودية الثقة الدولية، أو على الأقل إثارة الشكوك حول نواياهما التنموية والدبلوماسية في العواصم الإفريقية، مما يفتح الباب أمام الإمارات لتقديم نفسها كبديل “أكثر احترامًا للمجتمعات الإفريقية” – رغم أن الواقع يُكذّب هذه الادعاءات.
وفي هذا السياق، تحاول الإمارات تسويق نفسها كـ”الخيار الخليجي المعتدل” الذي يجمع بين الانفتاح الاقتصادي والانضباط الأمني دون أن يثير حساسيات حقوق الإنسان. فبينما تصوّر قطر كـ”داعم للتنظيمات الإسلامية”، والسعودية كـ”نظام محافظ بلا إصلاحات حقيقية”، تقدم الإمارات نفسها كمثال للتحديث المدعوم بغربٍ مرتاح. وهذا الترويج ليس جديدًا، لكنه بات يُستخدم الآن بشكل منهجي في الحملات الموجهة ضد خصومها، داخل مجلس حقوق الإنسان وغيره من المحافل.
في المجمل، لا تقف هذه الحملة عند حدود الهجوم على قطر والسعودية، بل تحمل بين طيّاتها مشروعًا أوسع تسعى فيه الإمارات إلى إعادة صياغة المعادلة الخليجية على المستوى الدولي، عبر محو توازنات الشراكة، وفرض نفسها كقوة سياسية ناعمة تتحدث باسم المنطقة، ولو على أنقاض الآخرين.
ومع اقتراب موعد دورة مجلس حقوق الإنسان في سبتمبر، فإن الساحة الدبلوماسية في جنيف وأديس أبابا تستعد لموجة من الهجمات المدروسة التي تنظمها الإمارات عبر أدواتها المدنية والحقوقية. ما يجري ليس “نقاشًا حقوقيًا”، بل حرب ناعمة تُشن باسم حقوق الإنسان لتصفية حسابات سياسية بين أنظمة خليجية تتنافس على النفوذ، ليس فقط في الخليج، بل في قلب إفريقيا والمنظمات الدولية.