كشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية مفارقة لافتة في علاقة الإمارات بإيران: فبينما بنت أبوظبي لسنوات خطابًا سياسيًا وأمنيًا متشددًا تجاه طهران، تظهر الإمارات في بيانات العقوبات الأمريكية بوصفها ثاني أكثر دولة ارتباطًا بالكيانات والأفراد المرتبطين بإيران بعد الصين.

وبحسب تحليل أجرته الصحيفة للعقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية، شمل الرصد 1,573 كيانًا وفردًا خاضعين للعقوبات ولديهم صلات بدولة خارج إيران، وتبين أن نحو 22% منهم لديهم جنسية إماراتية، أو عناوين داخل الإمارات، أو شركات مسجلة فيها.

هذه النسبة تضع الإمارات في موقع بالغ الحساسية داخل شبكة الالتفاف على العقوبات الإيرانية، وتكشف أن العلاقة بين أبوظبي وطهران أكثر تعقيدًا بكثير من الخطاب العلني الذي يصورهما باعتبارهما خصمين إقليميين.

أبوظبي تواجه إيران سياسيًا.. ودبي تفتح لها أبواب المال

لسنوات، قدمت الإمارات نفسها حليفًا لواشنطن في مواجهة النفوذ الإيراني، وعززت تعاونها الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي بذريعة الخطر القادم من طهران.

لكن خلف هذه الصورة، تحولت البيئة التجارية والمالية الإماراتية، وخصوصًا دبي، إلى نقطة جذب للشركات والوسطاء الذين تربطهم علاقات بإيران.

ولا يعني وجود شركة مسجلة في الإمارات أن السلطات الإماراتية تقف بالضرورة خلف نشاطها، لكن وصول نسبة الكيانات المرتبطة بالعقوبات إلى 22% يطرح تساؤلات جدية بشأن فعالية الرقابة على الشركات وحركة الأموال والشبكات التجارية العابرة للحدود.

وتؤكد وزارة الخزانة الأمريكية نفسها أن الإمارات ظهرت مرارًا ضمن شبكات استخدمتها كيانات إيرانية في تجارة النفط ونقل الأموال وشراء مكونات مرتبطة ببرامج الطائرات المسيّرة والصواريخ.

شبكة بمليارات الدولارات من قلب دبي

وتتزامن أرقام «فايننشال تايمز» مع تحقيقات حديثة كشفت استخدام دبي في عمليات مالية مرتبطة بإيران.

فقد فرضت الولايات المتحدة قبل أيام عقوبات على منصة العملات المشفرة Shelbit العاملة من دبي، متهمة إياها بتسهيل معاملات بملايين الدولارات لصالح الحرس الثوري وكيانات إيرانية أخرى خاضعة للعقوبات. وجاءت الخطوة بعد تحقيق لـ«رويترز» كشف ارتباط المنصة بشبكة قيمتها نحو 4 مليارات دولار استخدمت العملات الرقمية والمقامرة الإلكترونية في الالتفاف على القيود المالية.

وهذه الواقعة تضيف بعدًا مهمًا إلى أرقام الصحيفة البريطانية: الأمر لا يتعلق بمجموعة شركات صغيرة على الورق، بل بشبكات قادرة على تحريك مبالغ ضخمة عبر النظام المالي والتجاري الإماراتي.

حتى مشتريات عسكرية إيرانية مرّت عبر الإمارات

وكشفت «فايننشال تايمز» في تحقيق آخر أن الحرس الثوري الإيراني استخدم شركة إماراتية للحصول على قمر صناعي صيني ذي استخدامات عسكرية، استنادًا إلى عقود تجارية ووثائق شحن مسرّبة.

وتعزز هذه الوقائع التساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي أصبحت تلعبه الإمارات كحلقة وصل بين إيران والأسواق الدولية.

فالموقع الجغرافي، وحجم التجارة مع إيران، وسهولة تأسيس الشركات، والقطاع المالي الضخم، كلها عوامل جعلت الإمارات بيئة مثالية للوسطاء الذين يبحثون عن طرق للالتفاف على القيود الأمريكية.

تناقض إماراتي: التحالف مع إسرائيل والتجارة مع إيران

المفارقة الأوضح أن الإمارات عمقت، بالتوازي، تعاونها الأمني والعسكري مع إسرائيل والولايات المتحدة.

فأبوظبي تقدم نفسها لواشنطن باعتبارها حليفًا استراتيجيًا في احتواء إيران، وتحصل مقابل ذلك على تقنيات عسكرية ورقائق ذكاء اصطناعي وشراكات دفاعية متقدمة، بينما تكشف بيانات العقوبات أن مئات الكيانات المرتبطة بإيران وجدت في الإمارات عنوانًا أو تسجيلًا تجاريًا أو صلة مالية.

وهذه الازدواجية تسمح للإمارات بالاستفادة من الطرفين: حليف أمني لواشنطن وتل أبيب، وفي الوقت نفسه مركز تجاري ومالي بالغ الأهمية لإيران.

وقد تناولت «فايننشال تايمز» نفسها كيف نجحت أبوظبي خلال العقدين الماضيين في بناء نفوذ واسع داخل واشنطن، مستفيدة من الاستثمارات الضخمة والتطبيع مع إسرائيل والشراكات التكنولوجية، رغم استمرار المخاوف الأمريكية المتعلقة بصلاتها المالية الإيرانية.

لماذا تتكرر الإمارات في لوائح العقوبات؟

ليس من الدقة اعتبار وجود 22% من الحالات دليلًا على أن الحكومة الإماراتية أدارت تلك الشبكات بنفسها. لكن الرقم يكشف خللًا آخر لا يقل خطورة: قدرة شبكات مرتبطة بإيران على استخدام البيئة الإماراتية بهذا الاتساع.

وتعود الجاذبية الإماراتية إلى عدة عوامل، بينها كثافة العلاقات التجارية التاريخية مع إيران، وجود جالية إيرانية كبيرة، العدد الهائل من الشركات المسجلة، سوق الذهب والعقارات والعملات المشفرة، إضافة إلى موقع دبي كحلقة وصل مالية ولوجستية عالمية.

وهذه الخصائص التي صنعت نجاح الإمارات الاقتصادي يمكن أن تتحول، إذا ضعفت الرقابة، إلى أدوات تستخدمها شبكات العقوبات وغسل الأموال.

أبوظبي بين خطاب «الخطر الإيراني» ومصالحها الحقيقية

الأرقام تضع الخطاب الإماراتي أمام اختبار صعب.

فإذا كانت إيران تمثل بالفعل التهديد الذي استخدمته أبوظبي لتبرير تحالفاتها العسكرية مع إسرائيل والولايات المتحدة، فكيف أصبحت الإمارات ثاني أبرز دولة تظهر صلاتها في قائمة الكيانات المرتبطة بالعقوبات الإيرانية؟

وإذا كانت الحكومة الإماراتية تقول إنها تطبق منظومة صارمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، فكيف استطاعت مئات الشركات والأفراد المرتبطين بإيران استخدام عناوين أو تسجيلات إماراتية؟

الإجابة ربما تكمن في طبيعة السياسة الإماراتية نفسها: خصومة أمنية معلنة، ومصالح اقتصادية لا تتوقف.

فالنتيجة التي تكشفها أرقام «فايننشال تايمز» محرجة لأبوظبي: الإمارات التي بنت تحالفها مع إسرائيل وواشنطن على مواجهة إيران، ظهرت في الوقت نفسه كثاني أكبر مركز خارجي مرتبط بالكيانات الإيرانية الخاضعة للعقوبات. وبين لغة العداء في السياسة، وشبكات المال والتجارة في دبي، تبدو مصالح بن زايد أكثر مرونة بكثير من الشعارات التي يرفعها.