خلال الفترة الأخيرة، انتشر تسريب لتقرير داخلي أعدّته جهة رسمية أمنية في دولة الإمارات خلال عام 2024، يتناول بشكل تفصيلي مسار التعاون القائم مع الجانب الإسرائيلي في عدد من الملفات الحساسة. التقرير لم يكن مخصصًا للنشر، بل أُعدّ لأغراض داخلية، ويتضمن رصدًا للمراسلات المتبادلة، والاتصالات المباشرة، ومستوى التنسيق القائم في مجالات أمنية واستخباراتية وتدريبية وسياسية وإعلامية، إضافة إلى تقييم طبيعة هذا التعاون وتداعياته، مع تشديد واضح على مسألة السرية وإدارة الخطاب العام. تسريب هذا التقرير، إلى جانب وثائق ومراسلات مرتبطة به، أتاح الاطلاع على مضمون ما جرى تداوله داخل الدوائر الرسمية بعيدًا عن الخطاب العلني المعلن.
تتضمن الوثائق مراسلات صادرة عن مكتب رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، موجهة مباشرة إلى محمد بن زايد. هذه الرسائل مكتوبة بصيغة رسمية، وتحمل توقيع الجهة المرسلة، ولا تستخدم لغة دبلوماسية عامة. في إحدى هذه الرسائل، يشير نتنياهو صراحة إلى الدور الذي قامت به الإمارات في دعم العمل الاستخباراتي المرتبط بقطاع غزة، ويذكر أن هذا الدعم ساهم في تحسين النتائج خلال فترة قصيرة. الرسالة تتضمن طلبًا واضحًا بمواصلة هذا الدعم وعدم الاكتفاء بما تحقق، مع الدعوة إلى توسيع نطاق العمل خلال المرحلة التالية.
في رسالة أخرى لاحقة، يتحدث نتنياهو عن الحاجة إلى تكثيف الجهد الاستخباراتي، ويطلب زيادة مستوى التنسيق القائم، وتسريع تنفيذ البرامج المشتركة، مع الإشارة إلى أن المرحلة تتطلب عملًا مكثفًا دون تأخير. النص لا يتناول أي أبعاد سياسية أو إنسانية، بل يركّز على التنفيذ والنتائج.
تظهر في الوثائق ردود إماراتية مكتوبة على هذه المراسلات، لا تتضمن رفضًا أو اعتراضًا على طبيعة الطلبات الإسرائيلية. في أحد الردود، يرد تبرير لتأخير تنفيذ جزء من برامج التدريب، ويُعزى التأخير إلى أسباب لوجستية وتقنية، مع تأكيد صريح على أن هذا التأخير لا يعني التراجع عن الالتزام، وأن العمل سيُستكمل وفق الترتيبات المتفق عليها. الرد يؤكد استمرار التعاون بنفس المسار، مع معالجة العوائق الفنية فقط.
تشمل الوثائق مذكرات تتعلق بالتدريب الأمني والاستخباراتي. إحدى الوثائق تشير إلى تدريب خمس فرق مرتبطة بالعمل الاستخباراتي، مع ذكر إمكانية زيادة عدد الفرق لاحقًا. النص يتناول تفاصيل تتعلق بالتنظيم، التوقيت، والمتطلبات، ما يعكس أن التدريب جزء من برنامج قائم ومخطط له، وليس مقترحًا نظريًا. وثائق أخرى تشير إلى استخدام أجهزة ومعدات مرتبطة بالعمل الاستخباراتي، مع تنسيق مباشر حول آليات التشغيل.
تتضمن الوثائق مراسلة مكتوبة تتناول إدارة الخطاب الإعلامي، صادرة عن جهة رسمية إسرائيلية وموجّهة إلى جهة إماراتية معنية بإدارة الشأن الإعلامي، حيث يشير النص إلى ضرورة ضبط التغطية الإعلامية والتصريحات المرتبطة بالحرب الجارية، مع التشديد على تجنّب أي محتوى إعلامي قد يؤثر سلبًا على مسار التعاون القائم بين الطرفين. الوثيقة تطلب بوضوح تفادي التصريحات أو التغطيات التي قد تخلق إحراجًا سياسيًا أو ضغطًا إعلاميًا غير مرغوب فيه، وتتعامل مع الإعلام بوصفه ملفًا يجب تنسيقه وإدارته ضمن إطار العلاقة القائمة، وليس باعتباره شأنًا منفصلًا أو مستقلًا.
كما تتناول الوثائق جانبًا سياسيًا ودبلوماسيًا، حيث تظهر إشارات إلى تنسيق المواقف في المحافل الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، والتشاور حول كيفية التعامل مع تحركات سياسية أو قانونية مرتبطة بالقضية الفلسطينية. النصوص تشير إلى تبادل وجهات نظر حول الضغوط الدولية، وسبل التعامل معها بما يخدم استمرارية العلاقة مع الاحتلال.
تتضمن بعض المراسلات الإسرائيلية تبريرات مباشرة للعمليات العسكرية الجارية في غزة، وتطلب تفهمًا ودعمًا، ليس فقط على المستوى الأمني، بل أيضًا على المستويين السياسي والإعلامي. الردود الإماراتية الواردة في الوثائق لا تتضمن رفضًا لهذه التبريرات، بل تركز على إدارة المرحلة، والاستمرار في التنسيق، ومراعاة السرية.
يتكرر في الوثائق التشديد على السرية. هناك نصوص تتحدث عن ضرورة حصر المعلومات في نطاق ضيق، وعدم إشراك أطراف أخرى، ومعالجة أي تسريب محتمل بسرعة. هذا المحور حاضر بصورة متكررة، ويُطرح باعتباره شرطًا أساسيًا لاستمرار التعاون.
في وثيقة أخرى، يرد نص يشير إلى أن المرحلة القادمة تتطلب توسيع مجالات التعاون القائمة وعدم الاكتفاء بالعلاقات السياسية المعلنة. الوثيقة تتحدث عن تعميق العمل في المجالات الأمنية، الاستخباراتية، التدريبية، السياسية، والإعلامية، بما يعني الانتقال إلى مستوى أوسع من التنسيق التنفيذي المستمر.
جميع هذه الوقائع وردت في وثائق مكتوبة، مؤرخة، ومتبادلة بين جهات رسمية، وتغطي فترة زمنية واحدة. ما يظهر فيها هو تعاون متعدد المستويات، يتناول التنفيذ، التدريب، الإعلام، والسياسة، ويجري في سياق الحرب على غزة والإبادة الجماعية التي لم تتوقف لليوم، دون ورود أي إشارات لاعتراض، أو تحفظ، أو مراجعة لطبيعة هذا التعاون من الجانب الإماراتي.
للاطلاع على الوثائق كاملة اضغط هنا