كشف عام 2025 اتساع الفجوة بين الصورة التي تروّج لها الإمارات العربية المتحدة كدولة “منفتحة” و”حديثة”، وبين واقع داخلي يقوم على تجريم المعارضة السلمية، وقوانين أمنية فضفاضة، وقمع عابر للحدود، إلى جانب دور إقليمي اتُّهم بتمكين أطراف متورطة في جرائم جسيمة، وعلى رأسها الحرب في السودان. الاحتجاجات التي شهدتها لندن في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 – المطالِبة بوقف مبيعات السلاح للإمارات – كانت مؤشراً على انتقال هذا التناقض من التقارير الحقوقية إلى الشارع الغربي.

إدارة السمعة في مواجهة التدقيق الحقوقي

واصلت أبوظبي استراتيجية طويلة الأمد لتحسين صورتها الدولية عبر استضافة فعاليات كبرى وتكثيف الشراكات الاقتصادية والثقافية. غير أن هذه الجهود اصطدمت بتصاعد الانتقادات الحقوقية التي اعتبرت “الانفتاح” واجهةً تخفي سياسات تهدف إلى منع أي مساءلة حقيقية عن الانتهاكات. المفارقة أن اتساع الحضور الدولي ترافق مع تضييق أشد على الداخل، ما عمّق الشكوك حول صدقية الخطاب الرسمي.

خنق الفضاء العام وحرية التعبير

فرضت السلطات قيوداً صارمة على حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، مع منظومة مراقبة داخلية وخارجية دفعت إلى رقابة ذاتية واسعة وتفكيك المجتمع المدني المستقل. استخدمت الدولة قانون العقوبات الاتحادي وقانون الجرائم الإلكترونية بصياغاتهما الغامضة لتجريم النقد السلمي، بما في ذلك منشورات على وسائل التواصل، ما أدى إلى سجن مواطنين ومقيمين وإفراغ الفضاء العام من أي نقاش مستقل.

قوانين “مكافحة الإرهاب” كأداة سياسية

في يناير/كانون الثاني 2025، أدرجت السلطات 11 معارضاً وأقاربهم و8 شركات مقرها المملكة المتحدة على قوائم “الإرهاب” دون إخطار أو ضمانات إجرائية، استناداً إلى قانون 2014 شديد الاتساع. لم يكن لأيٍّ من الأسماء المدرَجة وجود على قوائم دولية معترف بها، ولم تُثبت إدانات إرهابية بحق الغالبية. ترتّبت على التصنيفات آثار قاسية: تجميد أصول، مصادرة ممتلكات، وخطر السجن المؤبد لأي تواصل داخل الدولة. خبراء أمميون حذّروا من أن هذه القوانين تقوّض الحقوق الأساسية وتفتح الباب لإساءة الاستخدام ضد الخصوم السياسيين.

محاكمات جماعية وإنهاء حق الاستئناف

في مارس/آذار 2025، أيّدت محكمة إماراتية أحكاماً صدرت بحق 53 مدافعاً عن حقوق الإنسان ومعارضاً في ثاني أكبر محاكمة جماعية بالبلاد: 43 حكماً بالمؤبد وأحكام أخرى بين 10 و15 عاماً. شابت المحاكمة انتهاكات جسيمة للإجراءات الواجبة (تقييد المحامين، غياب الشفافية، تقارير سوء معاملة). كثير من المتهمين سبق أن أُدينوا في قضية “الإمارات 94” عام 2013، ما يثير شبهة المحاكمة المزدوجة. من بينهم المدافع البارز أحمد منصور، الحائز جائزة مارتن إنالز (2015) وعضو اللجنة الاستشارية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش.

قمع عابر للحدود وحالات اختفاء قسري

برزت في 2025 ممارسات قمع خارج الحدود، أبرزها ترحيل الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي من لبنان إلى الإمارات واحتجازه فوراً مع اختفاء قسري وحرمان من التواصل المنتظم، استناداً إلى تهم تتعلق بتعبير سلمي على وسائل التواصل. هذه الواقعة عززت المخاوف من توظيف التعاون الأمني الإقليمي لاستهداف منتقدين في الخارج.

السودان… اتهامات بدعم طرف متهم بجرائم دولية

تراكَمَت أدلة إعلامية وحقوقية على دعم إماراتي لـ“ميليشيا الدعم السريع” في السودان، المتهمة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. تقارير رويترز و**نيويورك تايمز** تحدثت عن استخدام قاعدة في أم جرس بشرق تشاد – قُدِّمت بوصفها إنسانية – لنقل أسلحة، بينما وثّقت هيومن رايتس ووتش ووسائل أخرى استخدام ذخائر ارتبطت سابقاً بالجيش الإماراتي. في سبتمبر/أيلول، جدّد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة نظام العقوبات على السودان، مع دعوات لتوسيعه وتسميـة الحكومات المنتهِكة لحظر السلاح، بما يشمل كيانات داخل الإمارات.

العمال الوافدون… إصلاحات شكلية واختلالات بنيوية

رغم تشريعات مُعلَنة، بقي نظام الكفالة مانحاً أرباب العمل سيطرة غير متناسبة: صعوبات تغيير الوظيفة، بلاغات “هروب” كاذبة، مصادرة جوازات، سرقة أجور ورسوم استقدام. غياب النقابات وحدٍّ أدنى غير تمييزي للأجور عمّق قابلية الاستغلال. ومع تغيّر المناخ، ظلّ حظر العمل وقت الظهيرة الإجراءَ الأساسي، رغم عدم كفايته لحماية العمال من أخطار الحر الشديد.

تغيّر المناخ والقيود على المساءلة

يساهم الاعتماد على الوقود الأحفوري في تلوّث الهواء وانبعاثات مرتفعة، مع آثار صحية جسيمة. غير أن تجريم المعارضة السلمية يجعل فحص السياسات البيئية أو نقدها علناً شبه مستحيل، ما يقوّض المساءلة والوعي العام في ملف وجودي.

حقوق المرأة ومجتمع الميم

سجّلت القوانين الجديدة تقدماً محدوداً (رفع سن الزواج إلى 18 عاماً)، لكنها أبقت على ثغرات تمييزية، لا سيما في تعريف العنف الأسري بما يتيح تأويلات تُبقي “سلطة الوصاية” الذكورية. في المقابل، يجرّم قانون العقوبات أفعالاً مُعرَّفة بغموض تُستخدم لاستهداف التعبير الجندري وحقوق مجتمع الميم، بما في ذلك تجريم “اللواط”.

الخلاصة

يُظهر حصاد 2025 نموذجاً سياسياً يقوم على صناعة السمعة دولياً مقابل تحييد المجتمع داخلياً، مع توسيع نفوذ إقليمي محفوف باتهامات جسيمة. استمرار الشركاء الدوليين في تغليب التجارة والمصالح الاستراتيجية – من دون اشتراطات حقوقية ملزمة – يُسهم في ترسيخ هذا المسار. ما لم تُربَط الشراكات الاقتصادية والأمنية بمعايير واضحة وقابلة للقياس، ستبقى الانتهاكات جزءاً بنيوياً من المشهد، وسيظل “الانفتاح” واجهةً بلا مساءلة.