بقلم/ عبدالله الشمري
في خضم العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، ظهرت دولة الإمارات بوصفها “الفاعل الإنساني” الأبرز في جنوب القطاع، عبر مشاريع أبرزها المستشفى الميداني الإماراتي ومشروع خط المياه الممتد من معبر رفح إلى خان يونس. لكنّ الوثائق والتحقيقات الأخيرة – ومنها خريطة “الاستجابة الإنسانية” التي نشرها جيش الاحتلال – تُظهر أن هذه المبادرات لم تكن منعزلة أو محايدة، بل جاءت منسجمة ضمن تخطيط إسرائيلي أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل الخارطة الديمغرافية لغزة، عبر تسويق الجنوب باعتباره “منطقة آمنة” لاستيعاب مهجّري الشمال.
في 27 أغسطس 2025، نشر المتحدث باسم جيش الاحتلال، أفيخاي أدرعي، خريطة رسمية بعنوان “الاستجابة الإنسانية”، حدد فيها مناطق في جنوب ووسط غزة يمكن – وفق زعمه – إقامة مخيمات نزوح ومراكز إغاثة فيها. اللافت أن الخريطة تتضمن بوضوح موقعي مشروعين إماراتيين: خط المياه الإماراتي، وهو أنبوب بطول 7 كم يبدأ من محطة تحلية إماراتية في رفح المصرية وصولًا إلى المواصي بخان يونس، أُنشئ بإشراف إسرائيلي مباشر، ودخلت مواده عبر معبر كرم أبو سالم بعد موافقة أمنية إسرائيلية. والمستشفى الإماراتي الميداني، الذي بُني ضمن عملية “الفارس الشهم 3”، ويقع في رفح، بسعة تصل إلى 200 سرير، يخدم عشرات الآلاف، وتديره بعثة إماراتية مباشرة.
المشاريع أُنجزت ميدانيًا، ولكن الخريطة الإسرائيلية اعتبرتها جزءًا من خطة استجابة تشمل “إخلاء سكان الشمال” ونقلهم نحو الجنوب، حيث تُعرض في الخرائط الرسمية كمكونات لوجستية جاهزة لتنفيذ الإخلاء. بهذا المعنى، لا تعود المبادرات الإماراتية مجرد استجابة إنسانية، بل تتحول إلى أدوات ضمن هندسة عسكرية وديمغرافية إسرائيلية ترسم شكل جنوب غزة وتُعيد توزيع السكان وفق الرؤية الأمنية للاحتلال.
منذ بدء الحرب، امتنعت الإمارات عن اتخاذ موقف سياسي أو دبلوماسي ضد العدوان، بل حافظت على علاقاتها مع تل أبيب بلا أي تعديل. ورغم المجازر اليومية في غزة، لم تسحب أبوظبي سفيرها، ولم تُصدر إدانات بحجم الحدث. على العكس، استمرت بتمويل مشاريع ميدانية بإشراف إسرائيلي لوجستي كامل. وتُظهر الوثيقة أن جيش الاحتلال يدرس إنشاء طريق خاص يربط المواصي بالمستشفى الإماراتي، لتسهيل تنقل النازحين، وتكريس جنوب غزة كمنطقة دائمة للنزوح.
جيش الاحتلال لم يشارك بالموافقة على هذه المشاريع، بل صممها واعتبرها جزءًا من هندسة ميدانية لإعادة تنظيم قطاع غزة. حتى قناة 12 الإسرائيلية تحدثت عن طريق خاص يربط بين نقاط الإغاثة والمستشفى الميداني الإماراتي، ما يعكس حجم التنسيق الميداني مع بعثة أبوظبي. ويظهر أن الاحتلال لا يكتفي بالترخيص لهذه المشاريع، بل يُوظّفها استراتيجيًا كأدوات دعم لخطة إخلاء السكان من الشمال وتركيزهم في منطقة واحدة يمكن التحكم بها.
بحسب التحقيقات وصور الأقمار الصناعية الموثقة، فإن ما تسميه دولة الاحتلال “مساحات فارغة” في الجنوب لا يتجاوز 7 كم²، معظمها في مناطق سبق أن أمر الجيش الإسرائيلي سكانها بالإخلاء لكونها “غير آمنة”. ورغم ذلك، تُعرض في الخرائط الرسمية المدعومة إماراتيا كمناطق استيعاب للنازحين، بما يعني أن الاحتلال يسوّق لخطط تهجير جماعي تحت غطاء إنساني، وتظهر الإمارات في قلب هذا المخطط بوصفها الممول والراعي والمنفذ.
مشاريع الإمارات كما وصفها محللون هي “أدوات لتمرير خطة الاحتلال”، فالإمارات توفر غطاء سياسيًا وإعلاميًا لإسرائيل لتسويق عملياتها بوصفها استجابة إنسانية.
وتجدر الإشارة إلى أن الإمارات لم تُغيّر موقفها من دولة الاحتلال رغم المجازر، على عكس دول أخرى خفّضت علاقاتها أو نددت بالعدوان وقطعت العلاقات وفرضت عقوبات، وعلى العكس من ذلك فحتى المشاريع الإغاثية الإماراتية لم تكن سوى عناصر ميدانية تُستعرض ضمن الخرائط العسكرية الإسرائيلية.
يبقى السؤال: هل يستمر النظام الإماراتي في لعب دور “الفاعل الإنساني المستقل” في غزة؟ بينما هو شريك صامت في خطة الاحتلال؟ فالمعطيات تقول إن المشاريع لم تكن لتُنفذ دون تنسيق عسكري وأمني إسرائيلي، وإن مواقعها تُعرض رسميًا ضمن خرائط الجيش كجزء من الاستجابة “الإغاثية” المزعومة. وإن ما يُسوّق بوصفه “مساعدة إنسانية” يجري توظيفه كعنصر بنيوي في خطة الاحتلال للهندسة الديمغرافية.
المياه التي تموّلها الإمارات، تُضخ الآن إلى مناطق نُقل إليها السكان قسرًا. والمستشفى الذي أدخلته الإمارات، يتحول إلى نقطة عبور لمستقبل غامض لمئات الآلاف من نازحي غزة. وفي الخلفية، الاحتلال يرسم حدود غزة الجديدة على الورق… بأقلام إماراتية وتمويل إماراتي.
وكيف نفترض حسن النية، والمخرجات لا يمكن تبريرها. ما دام الاحتلال هو من يضع الخريطة، ويُحدد الأهداف، ويُدير الأرض، ويُجيّر المشاريع… فكل فاعل ضمن هذه المنظومة مسؤول أخلاقيًا وسياسيًا. خصوصًا إذا كان هذا الفاعل دولة عربية، عضوة في الجامعة العربية، وقّعت على اتفاقيات احترام السيادة الفلسطينية.
الإمارات اختارت طريق التطبيع، وراهنت على بناء نفوذها الإقليمي من خلال تحالفها مع تل أبيب. وفي ظل الإبادة فقد تجاوزت مرحلة التنسيق السياسي إلى الشراكة الميدانية في هندسة واقع غزة.
ربما يكون التاريخ قاسيًا حين يُكتب فصل الحرب على غزة. لكنه سيكون أشد قسوة حين يُكتب فصل التواطؤ باسم الإغاثة، والتهجير باسم التنمية، وخدمة الاحتلال تحت غطاء الإنسانية.