كشف تحقيق أجرته قناة سكاي نيوز البريطانية عن أبعاد خطيرة للدور الإماراتي في الحرب الدائرة بالسودان، حيث أكد ضابط في جهاز الاستخبارات التابع لقوات الدعم السريع أن الإمارات هي الداعم الرئيسي لهذه الميليشيات التي ارتكبت جرائم حرب موثقة في حق المدنيين، وأشعلت واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، متسببة في نزوح ما يقرب من 13 مليون إنسان من بيوتهم وتحويل دارفور إلى جحيم من المجازر والتطهير العرقي.
قوات الدعم السريع التي تحولت من ميليشيا قبلية إلى قوة شبه عسكرية معروفة بفظائعها، نشرت على مدى العامين الماضيين مقاطع فيديو لمقاتليها وهم يعلقون النساء على المشانق، ويجلدون المسعفين، ويهللون فوق جثث الضحايا. لكن ما لم يظهر يومًا في هذه المقاطع هو الجهة التي تموّلهم وتزودهم بالسلاح. واليوم تأتي شهادة ضابط استخبارات منشق لتؤكد ما كان يتداوله كثيرون: الإمارات هي الممول الرئيسي، وهي من يقف خلف استمرار هذه الحرب الدموية.
أحمد (اسم مستعار لحمايته) تحدث من إحدى دول الجوار حيث يعيش كلاجئ، وأكد أن الطائرات التي تهبط في مطار نيالا بجنوب دارفور تحمل شحنات أسلحة مصدرها الإمارات، وأن بعضها يمر عبر مطار أمدجراس في تشاد. العلاقة، بحسب ما قال، ليست سياسية أو عسكرية فقط بل مالية بالأساس، إذ تسيطر قوات الدعم السريع على مناجم الذهب في دارفور، فيما تشكل الإمارات مركزًا عالميًا لتجارة الذهب، وهو ما يجعلها الشريك التجاري الأول لهذه الميليشيات القاتلة.
المشهد على الأرض أكثر فظاعة، إذ تتعرض مدينة الفاشر، آخر عاصمة خاضعة لسيطرة الدولة في شمال دارفور، لحصار خانق وقصف يومي بالطائرات المسيّرة والمدفعية، فيما يقبع قرابة مليون إنسان تحت رحمة الحصار والمجاعة التي تفرضها قوات الدعم السريع. ويؤكد قائد استخبارات القوات المشتركة في دارفور، إدريس علي، أن الدعم الإماراتي لهذه الميليشيات مكّنها من استخدام أسلحة متطورة وطائرات مسيّرة لقصف المدنيين بلا رحمة، مشيرًا إلى أن تشاد ليست سوى ممر لهذه الأسلحة القادمة من أبوظبي.
المعلومات التي قدمها علي تكشف طرقًا متعددة لتهريب السلاح: عبر مدينة أبشي التشادية إلى الجنينة عاصمة غرب دارفور، حيث ارتكبت قوات الدعم السريع مجازر مروعة قبل أن تسيطر عليها في نوفمبر 2023؛ وعبر معبر عدري إلى داخل السودان؛ إضافة إلى طريق آخر عبر مطار أمدجراس شمال تشاد، حيث تم توثيق ما لا يقل عن 86 رحلة قادمة مباشرة من الإمارات بحلول ديسمبر 2024.
وفي رسالة رسمية وجهتها السلطات السودانية إلى مجلس الأمن الدولي بتاريخ 4 سبتمبر 2025، اتهمت أبوظبي بتسيير ما لا يقل عن 248 رحلة بين نوفمبر 2024 وفبراير 2025، لنقل مرتزقة وأسلحة ومعدات عسكرية إلى الأراضي السودانية. كما أشارت تقارير لاحقة إلى رحلات أخرى رُصدت متجهة من قاعدة “الريف” الجوية في أبوظبي إلى مطار إنجمينا العسكري في تشاد، في إطار شبكة تهريب عابرة للحدود.
تقرير سابق لصحيفة الغارديان البريطانية، استند إلى تسريبات من الأمم المتحدة، كشف عن نمط متكرر لرحلات شحن عسكرية من نوع “إليوشن” قادمة من الإمارات نحو تشاد، حاولت التهرب من أجهزة الرصد، وأُشير إلى ثلاثة طرق برية رئيسية تنقل عبرها هذه الأسلحة إلى السودان. ورغم أن التقرير النهائي للجنة الخبراء لم يتضمن هذه التفاصيل الحساسة، إلا أن الوثائق المسربة كانت كافية لإثبات وجود عمليات إمداد مستمرة ومنظمة.
كل هذه الشهادات والوثائق تضع الإمارات في موقع الشريك المباشر في جرائم الحرب والإبادة في السودان، إذ لم يعد الأمر مجرد اتهامات، بل دلائل واضحة تؤكد ضلوعها في إذكاء الحرب مقابل السيطرة على ثروات الذهب السودانية، على حساب دماء الأبرياء وتشريد الملايين.
وعلى الرغم من ثقل الأدلة، سارع النظام الإماراتي إلى نفي كل الاتهامات، عبر بيان أرسله لوزارة الخارجية إلى سكاي نيوز، زعم فيه أنه ملتزم بوقف إطلاق النار ودعم الاستقرار، واعتبر ما نشر “اتهامات ملفقة” من السلطات السودانية في بورتسودان. وأكد البيان أن الإمارات لم تدعم أي طرف عسكري في السودان، مشيرًا إلى أن تقرير لجنة الخبراء الأممية لم يقدم “دليلًا قاطعًا” ضدها. لكن الواقع على الأرض، ورحلات الطيران الموثقة، وشهادات الضباط المنشقين والقادة العسكريين، كلها تكشف الوجه الحقيقي لهذا النظام، الذي يغطي تورطه في حروب الوكالة وشبكات الفساد ببيانات دبلوماسية جوفاء.
ما يحدث في السودان اليوم هو امتداد لسياسة أبوظبي في استخدام المال والسلاح لإشعال النزاعات في المنطقة، من ليبيا واليمن إلى القرن الأفريقي، مستغلة موارد الشعوب المنهوبة لتوسيع نفوذها وتأمين مصالحها الاقتصادية. غير أن الكارثة في السودان تتجاوز كل ذلك، إذ نحن أمام حرب إبادة تُرتكب بتمويل إماراتي مباشر، وبتواطؤ دولي يصم آذانه عن جرائم تُوثق بالصوت والصورة كل يوم.